محمد برهومة

منع قابلية تدنيس المقدس

تم نشره في الخميس 16 تموز / يوليو 2015. 11:07 مـساءً

في الثالث من الشهر الحالي، نشرت مجلة "أتلانتك" تحليلاً بعنوان "هل كان داعش سيوجد من دون الإسلام؟"، كتبته كاثي جيلسينان، وناقشت فيه مدى إسلامية "داعش"، مستعينة بحديث مع داليا مجاهد، التي قادت لسنوات البحوث الخاصة بالمسلمين في منظمة "غالوب" لاستطلاعات الرأي.
مجاهد تجيب عن السؤال بـ"نعم"؛ معللة إجابتها بأنّ الوحشية التي يتوافر عليها "داعش" هي ما يقود تفسيره للنصوص الدينية، وليس هذه الأخيرة ما يولّد وحشية "داعش". هذا المنطق، هو ذاته الذي يرِدُ على ألسنة من ينتقدون الدعوات الجديدة والقديمة لمراجعة المناهج الدراسية، وخاصة الدينية، لتنقيتها من التطرف والتشدد وكراهية الآخر ومحرضات العنف وتبرير القتل باسم الله. وحجة هؤلاء أننا منذ عشرات السنين ونحن ندرس هذا المضمون التعليمي ولم نتحوّل إلى "دواعش" أو إرهابيين. وفي هذا إحالةٌ لأسباب سياسية واجتماعية خلقتْ "داعش"، وتهميشٌ إلى حدّ النفي للأسباب الثقافية والنفسية المسؤولة عن ظهوره. وفي ذلك تقول مجاهد إن الجماعات المتطرفة في جميع أنحاء العالم تنفذ الأنواع نفسها من العنف، مستخدمةً ما وصفته بـ "الحالة الاجتماعية المحلية الرائجة" لتبرير ذلك. ولذلك فإن "العالم من دون الإسلام كان سيبقى فيه مجموعة مثل "داعش"، ولكن باسم آخر قد يكون أقل جذبًا للاهتمام".
المؤكد أنّ دموية النظام السوري، وتنامي الطائفية في عراق ما بعد صدام بفعل الاحتقان المحلي والتغلغل الإيراني معا، وانتشار الاستبداد والفساد وغياب الديمقراطية والعدالة وحكم القانون.. هي عوامل أساسية لظهور الإرهاب والتطرف في العراق وسورية؛ أي إنّ عنف وتطرف النظامين الحاكمين في البلدين، حفّزا خروج إرهاب "القاعدة" و"داعش"، ناهيك عن توظيف هذين النظامين لذلك الإرهاب في إدامة استبدادهما وإقصائهما ودمويتهما. لكن هذه الحقيقة الرائجة لا تقلل من أهمية التساؤل عن سرّ قدرة "داعش" والسلفية الجهادية عموماً على النبش في موارد ومنابع التطرف والتشدد الفكري والاجتماعي القائمة أصلاً في مجتمعاتنا. التساؤل هنا أيضاً عن مطواعية النصوص الدينية على تقوية النوازع والغرائز التي يضعفها التقدم والتحضر والاختلاط بالعالم والعلم والبشر. التساؤل موصول كذلك عن الآلية التي نبتكرها لجعل هذه النصوص أقلّ ممانعة لروح العصر، لنجرؤ بعدها على القول بوضوح، مثلاً، إن "التترس" هو تكتيك حربي تاريخي لا يمت للدين بصلة، وكل الفتاوى حوله هي فهم بشري أعوج لتسويغ العنف وقهر الخصوم وحيازة السلطة والقوة ليس إلا.
نتفق مع مجاهد بقولها: "إننا نبدأ من العنف الذي نريد ارتكابه، ونقنع أنفسنا بأن هذه هي الطريق الصحيحة لتفسير النصوص". لكنّ هذا الفهم الناضج غير كافٍ إذا لم يقترن بوعي مفاده أننا نضعف مطواعية النصوص الدينية للتشدد وشرعنة العنف ضد المختلف حين نخرجها (النصوص) من دائرة الالتباس والاحتمالات المتناقضة. فـ"داعش" ومن شابهها يشتغلون على هذا "الالتباس الديني"، وهو نفسه من يقنع كثيرين، وهم يرون تدمير "داعش" لآثار مدينة تدمر، بأن هذا قضاء على أصنام ينبغي أن يكون هذا مصيرها!
"الالتباس الديني" يتبدى ونحن نقرأ كتاب "فقه الدماء" للمصري أبي عبدالله المهاجر، أستاذ أبي مصعب الزرقاوي، فنكتشف كمية النصوص الدينية الكبيرة الموظَفة في الكتاب لشرعنة العنف والدموية وجعلهما جهاداً وجسراً إلى الجنّة. كلُّ هذا يدفعنا لأن ندرك مدى حاجتنا إلى تنوير تقوده المجتمعات والنخب التي تحظى بثقتها؛ لمعالجة دائرة "الالتباس الديني" التي تتيح إلباس عنفنا وبطشنا غطاءً دينياً مقدساً. السؤال: كيف لنا أن نقضي على هذه الثغرة وإلى الأبد؟ تلك هي المهمة لتنوير دائم يحفظ للمقدس منزلته عبر منع قابلية تدنيسه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هدم الدين لإجل فهم خاطئ للنص (عمر)

    الاثنين 20 تموز / يوليو 2015.
    طبيعي أن يضع المرء اللوم لجميع مشاكل و قضايا الأمة على أعدائه بدافع الكراهية و بعيدا عن الموضوعية و الإنصاف. هنا أتكلم عن الجماعات العلمانية اللتي تعادي الأديان و خصوصا الدين الإسلامي.... إن القراءة الموضوعية لحالة العنف أو الإرهاب لا تكون بمقارنة السلبي المنسوب للإسلام بالإيجابي المنسوب للعالم الغربي. فلو نظرنا لحال الأمة الأن لوجدنا أن للفكر الإسلامي الجهادي الدور الأكبر في الدفاع عن حقوق الأمة و خصوصا في فلسطين و سوريا و العراق, و هنا اعني بالجماعات الجهادية التي هي نتاج المجتمع العربي المسلم, في ظل تخاذل باقي الإتجاهات و خصوصا الفكر العلماني المؤيد للغرب في كل جرائمه بحق الأمة. الكاتب يصف الغرب بالعالم المتعلم, متناسيا أن هذا العالم جر الويلات لكثير من شعوب العالم. فالعالم أينشتاين, أكبر العقول البشري في القرن الماضي, كان رئيس مجموعة من خمسة علماء قاموا بأبحاثهم لتطوير أول قنبلة نووية لتلقى على اليابان متسببة بقتل آلاف المدنيين عمدا و لم يوصف عمله بالإرهاب. و غيرها من الحروب الوحشية التي شنت على أفغانستان مرتين و فيتنام و غيرها مستعملة أسلحة التي تستهدف المدنيين. ولا ننسى تقسيمهم لبلادنا لإثارة الخلافات و الفتن و زرعهم للكيان الصهيوني الإرهابي في فلسطين, و وضع حكومة طائفية إرهابية في العراق ليكمل مهمته بعد أن قتل ما قتل من المدنيين و دمر بنيته التحتية. إن قتل المدنيين العزل على يد العالم الغربي المتعلم و أعوانه يفوق عددا و وحشية عن ما نشاهده اليوم على يد بعض الجماعات المتطرفة كداعش. لا أعارض وصف داعش بالإرهابية و لكن أليس العالم الغربي المتعلم إرهابيا و متوحشا أكثر من داعش. إذا أردنا أن نحارب الفكر الداعشي الإرهابي اليس أولى بنا أن نحارب الفكر الغربي المفرط بالوحشية و الإرهاب اللذان يمارسان ضد العرب خصوصا و إفشال مخططاته التي تهدف لإضعاف الأمة؟. الفكر الإسلامي, بما فيه الجهادي, و على مدى أكثر من الف و أربعمائة عام أنتج حضارات, تحوي جميع الديان و الأعراق بالمساواة, يشهد لها التاريخ. ما نشاهده في الأعوام القليلة الأخيرة من عنف ضد المدنيين من بعض المجموعات المتطرفة ما هو إلا نتيجة للتدخل الغربي المتعلم في بلادنا و إتباع حكامنا لمناهج غربية لا ترضي الشعوب و معتقداتها. إن التاريخ يشهد بوحشية العالم الغربي المتعلم على مدى مآت السنين من الحربين العالميتين و الحروب الصليبية و محاكم التفتيش بإسبانيا و غيرها نتيجة فكره الإرهاب المستعلي على باقي الشعوب. إن الحديث عن الإرهاب الغربي المتعلم, سواء من منابعه الدينية المحرفة أو اللا دينية, يطول و يكاد لا ينتهي. إن إلصاق الكاتب تهمة الإرهاب بالنص الديني الإسلامي و طريقة فهمه لهو إتهام مجحف و خارج عن الموضوعية و يهدف لإضعاف تأثيره على الناس و هذا, إن تحقق لا قدر الله, سيكون بداية لحقبة تمر بالأمة تكون أكثر سوادا و إذلال لما نحن عليه الأن.