محمد برهومة

عبء على المسلمين المعتدلين

تم نشره في الجمعة 24 تموز / يوليو 2015. 12:05 صباحاً

ثمة نقد كبيرٌ متوافر في الإعلام العربي، لكنه في معظمه لا يجد من يستقبله ويبني عليه، وكأننا في اليوم التالي نبني من جديد، ونقول ما قد قيل. هذا لا يتناقض مع الإقرار بحاجتنا إلى نقد كثير، يتقصّد إيجاد حامل فكري اجتماعي قابل للتمدد والانتشار، هكذا تبدأ الأمم التنوير، وهكذا، أيضاً، تنتشر الأيديولوجيات العدمية والأفكار الظلامية والجهاديات العابرة للحدود والأوطان. ولعل هذا ما قصدته مجلة "فورين أفيرز" في حديثها، قبل أيام، عن "أشبال الخلافة" في تنظيم "داعش"، مؤكدة أن "هدف التنظيم، إذن، هو الاستمرار وليس فقط القتال". وفي هذا تمايز عن كل ما عرفناه من منظمات إرهابية؛ حيث العمل منصبٌّ هنا من أجل "إنشاء هوية وارتباط" يشعر فيه المنتمون إلى هذا التنظيم، بارتباط لا يمكن أن تكون نتيجته سوى الولاء.
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، تحدث عن "العبء المُلقى على عاتق المسلمين المعتدلين" الذين لا يقومون بما ينبغي بشكل كافٍ ومؤثّر لمواجهة خطر التطرف والعنف والإرهاب واختطاف المعاني الإنسانية والأخلاقية في الدين. هذه كارثة لا تقلّ في فجاعتها عن فجاعة إرهاب الأنظمة واستبدادها وفسادها. ومع ذلك، يكاد يغيب بيننا التفكير في الحلول الجذرية. لا أحد يقول لنا إننا بحاجة إلى علوم الفلسفة في مناهجنا المدرسية والجامعية لمواجهة واحدية الفكر والانجذاب الهش للتطرف! لا نجد توجهاً في مجتمعاتنا نحو الأدب وعلوم الاجتماع والتاريخ والإنثربولوجيا! إنها الأقل حظاً في فُرص التوظيف وإيجاد عمل مميز! ونتساءل، مثلاً: كم من جامعاتنا تتوافر على قسم أو مساقات لتاريخ الأديان المقارن؟ إن المجتمعات تتقدم حين تزداد حساسيتها للكلمة.
ظهور "داعش" وغيره من تيارات الإرهاب والتشدد والعنف الديني والطائفية السياسية، لدى السُنّة والشيعة على حدّ سواء، إنما هو مرآة لمسألة "الصراع على الإسلام" و"الصراع داخل الإسلام" من جانب أهله، وضعف مقولة "الاعتدال الإسلامي" من جهة تجاهلها لقيمتي الحرية ومركزية دور الإنسان في الحياة المتمثلة في استقلاليته في صنع الحياة والمستقبل. المعتدلون الذين يناديهم كاميرون لا يملكون في غالبهم النقد الجذري للفكر الديني السائد، و"اليد المرتجفة لا تصيب هدفها"، كما أخبرنا محمد الماغوط.
الخبرة التاريخية تقول إن الحروب الأهلية ("الفتنة" بالمصطلح التاريخي الإسلامي) تحدث عندما يعجز المعتدلون عن وقف المتطرفين ومنعهم من النطق باسم الجميع أو تمثيلهم. بالتأكيد أن القضاء على الاستبداد والفساد ومحاربة "الإسلاموفوبيا" في الغرب يمنح فرصة خصبة للاعتدال والعقلانية، ولكن هذا الاعتدال وتلك العقلانية يدومان بالتنوير الفكري وتمكينه في ثقافة المجتمعات.
من هنا، يميل هذا المقال إلى أن من أنواع النقد الجذري الصريح وغير التلفيقي القول إن فكرة تجديد الخطاب الديني، التي تحتل مساحة من خطابنا الثقافي منذ عقود، يشوبها الالتباس والعمومية وغياب الضبط أو القدرة على الحكم على كفاءتها. والمطلوب بدلاً منها الحديث عن خطاب ديني جديد يتأسس على مركزبة فكرتي الحرية والإنسانية المتساوية، وتحرير الدين من الدولة، وتحرير الدولة من توظيف الدين لغايات سياسية؛ عبر التركيز بأن لا أسباب سياسية لما تعانيه مجتمعاتنا من أزمات وتخلّف!

التعليق