خطة الخصخصة الانتقامية الأوروبية لليونان

تم نشره في الأحد 26 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

يانيس فاروفاكيس*

أثينا ـ في الثاني عشر من يوليو، أملت قمة منطقة اليورو شروط الاستسلام على رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس، الذي قَبِل كل الشروط نظراً لشعوره بالرعب من البدائل. ويتعلق أحد هذه الشروط بالتصرف في ما تبقى من الأصول العامة اليونانية.
فقد طالَب زعماء منطقة اليورو بتحويل الأصول العامة اليونانية إلى شيء أشبه بصندوق تروهاند ــ أداة للبيع بأثمان بخسة أشبه بتلك التي استخدمت بعد سقوط سور برلين لخصخصة كل الملكية العامة المتلاشية لدولة ألمانيا الشرقية بسرعة وبخسائر مالية كبيرة، فضلاً عن الآثار المدمرة التي خلفتها على العمالة.
سوف يكون مقر صندوق تروهاند اليوناني ــ المنتظر ــ في لوكسمبورج، وسوف يتولى إدارته والإشراف عليه وزير المالية الألمانية فلوفجانج شويبله، واضع هذا المخطط. وسوف يكمل الصندوق هذا البيع البخس في غضون ثلاث سنوات. ولكن في حين كان عمل صندوق تروهاند الأصلي مصحوباً باستثمارات هائلة من ألمانيا الغربية في البنية الأساسية وتحويلات مالية اجتماعية واسعة النطاق لسكان ألمانيا الشرقية، فإن شعب اليونان لن يتلقى أي فوائد من أي نوع في المقابل.
الحق أن إقليدس تساكالوتوس، الذين خلفني في منصب وزير المالية في اليونان قبل أسبوعين، بذل قصارى جهده للتخفيف من أسوأ جوانب خطة تروهاند اليونانية. وقد تمكن من تسكين الصندوق في أثينا، كما انتزع من دائني اليونان (أو ما يسمى الترويكا التي تتألف من المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) التنازل المهم المتمثل في إمكانية تمديد المبيعات لمدة ثلاثين عاما، بدلاً من مجرد ثلاث سنوات. وكان هذا الأمر بالغ الأهمية، لأنه سيسمح لدولة اليونان بالاحتفاظ بأصول مقومة بأقل من قيمتها إلى أن تتعافى أسعارها من مستوياته الدنيا الحالية الناجمة عن الركود.
ولكن من المؤسف أن صندوق تروهاند اليوناني يظل أداة بغيضة، ولابد أن يشكل وصمة عار على ضمير أوروبا. والأمر الأسوأ أنه يمثل فرصة ضائعة.
فالخطة سامة على المستوى السياسي، لأن الصندوق برغم تسكينه في اليونان، سوف يُدار فعلياً بواسطة الترويكا. وهو ضار على المستوى المالي أيضا، لأن العائدات سوف توجه نحو خدمة ما يعترف الآن حتى صندوق النقد الدولي بكونه ديناً غير قابل للسداد. وهو فاشل على المستوى الاقتصادي، لأنه يهدر فرصة رائعة لإنشاء استثمارات محلية للمساعدة في مواجهة الأثر الانكماشي الناجم عن ضبط الأوضاع المالية العقابي والذي يشكل أيضاً جزءاً من "شروط" قمة الخامس عشر من يوليو/تموز.
وما كان ينبغي للأمر أن يتم على هذا النحو بالضرورة. ففي التاسع عشر من حزيران (يونيو)، أجريت اتصالاتي بالحكومة الألمانية والترويكا لعرض اقتراح بديل، كجزء من وثيقة بعنوان "إنهاء الأزمة اليونانية":
"تقترح الحكومة اليونانية جمع الأصول العامة (باستثناء تلك الوثيقة الصلة بأمن البلاد، والمرافق العامة، والتراث الثقافي) في شركة قابضة مركزية منفصلة عن الإدارة الحكومية وتدار ككيان خاص تحت رعاية البرلمان اليوناني، بهدف تعظيم قيمة أصولها الأساسية وخلق تيار استثماري محلي. وسوف تكون الدولة اليونانية المساهم الوحيد في هذه الشركة، ولكنها لن تضمن التزاماتها وديونها".
وكان هذه الشركة القابضة لتلعب دوراً نشطاً في تجهيز الأصول للبيع. كما كانت "لتصدر سنداً مضموناً بالكامل في أسواق رأس المال الدولية" لجمع نحو 30 إلى 40 مليار يورو (32 إلى 43 مليار دولار أميركي)، وهو ما يمكن استثماره في تحديث وإعادة هيكلة الأصول تحت إدارته، مع وضع القيمة الحالية للأصول في الاعتبار".
وقد توخت الخطة برنامجاً استثمارياً لمدة ثلاث إلى أربع سنوات، من شأنه أن يسفر عن إنفاق إضافي بقيمة 5 % من الناتج المحلي الإجمالي سنويا"، حيث تشير ظروف الاقتصاد الكلي الحالية ضمناً إلى "مضاعف نمو إيجابي أعلى من 1.5"، ولابد أن يكون هذا كافيا "لدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى أعلى من 5 % لعدة سنوات". وهذا بالتالي، كان ليستحث "زيادات نسبية في العائدات الضريبية"، وبالتالي "يساهم في تعزيز الاستقرار المالي، في حين يعمل على تمكين الحكومة اليونانية من ممارسة الانضباط في الإنفاق من دون تقليص الاقتصاد الاجتماعي".
وفي هذا السيناريو، كان الفائض الأولي (الذي يستبعد أقساط الفائدة) ليحقق "سرعة الإفلات" في المطلق ثم النسب المئوية بمرور الوقت". ونتيجة لهذا فإن الشركة القابضة كانت لتمنح "ترخيصاً مصرفيا" في غضون عام أو اثنين، "وبالتالي تحول نفسها إلى بنك تام النضج للتنمية قادر على حشد استثمارات القطاع الخاص لصالح اليونان والدخول في مشاريع تعاونية مع البنك الأوروبي للاستثمار".
وكان بنك التنمية الذي اقترحناه ليسمح للحكومة "باختيار أي الأصول يمكن خصخصتها وأيها لا يمكن، في حين يضمن قدراً أعظم من التأثير على خفض الديون من عمليات الخصخصة المختارة". وعلى أية حال، فإن "قيم الأصول لابد أن تزيد بأكثر من المبلغ الحقيقي الذي يتم إنفاقه على التحديث وإعادة الهيكلة، مع الاستعانة ببرنامج لإقامة الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي تتعزز قيمتها وفقاً لاحتمال الخصخصة في المستقبل".
بيد أن اقتراحنا استقبل بالصمت التام. وعلى نحو أكثر دقة، استمرت المجموعة الأوروبية التي تتألف من وزراء مالية منطقة اليورو والترويكا في تسريب معلومات إلى وسائل الإعلام العالمية مفادها أن السلطات اليونانية ليس لديها مقترحات معقولة إبداعية. بعد بضعة أيام، وبمجرد أن أدركت القوى الفاعلة أن الحكومة اليونانية توشك على الاستسلام الكامل لمطالب الترويكا، فقد رأت من المناسب أن تفرض على اليونان نموذج صندوق تروهاند المهين الخبيث الذي يفتقر إلى الخيال.
عند نقطة تحول في التاريخ الأوروبي، ألقي بديلنا المبتكر إلى سلة المهملات. ولا يزال هناك إلى أن ينقذه آخرون.

*وزير مالية اليونان السابق.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق