سوسية: قرية فلسطينية صغيرة تجذب معاناتها اهتمام العالم

تم نشره في الثلاثاء 28 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • راع صغير أمام خيمة عائلته في قرية سوسية الفلسطينية الصغيرة قرب يطة - (أرشيفية)

ضياء حديد - (نيويورك تايمز) 23/7/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سوسية، الضفة الغربية- خطا يوسف النواجعة بين الخيام المزينة بالأعلام الفلسطينية، والمتناثرة عبر البساتين التي تعاني من نقص المياه والتلال الصخرية، وهتف بجذل لرجل قريب: "هيه، هل سمعت؟ جون كيري تحدث عن سوسية!".
"كيري!" هتف الرجل، بنظرة تقول: "غير معقول!".
كان السيد النواجعة (38 عاماً)، مخطئاً، وإنما ليس كثيراً في ملاحظته حول كم أصبحت قضية قريته الصغيرة كبيرة. لم يكن وزير الخارجية جون كيري، وإنما جون كيربي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هو الذي كان قد دعا إسرائيل مؤخراً إلى عدم هدم سوسية.
كيف وجدت قرية يقطنها 340 فلسطينياً في الزاوية الجنوبية المتربة من الضفة طريقها إلى الساحة العالمية؟ يشير السكان إلى سلسلة من الأحداث التي بدأت قبل عقدين من الزمن بزيارات من الأجانب المتعاطفين، والتي جعلت من سوسية الآن رمزاً للناشطين المؤيدين للفلسطينيين عن الكيفية التي سعت بها إسرائيل إلى الاحتفاظ بالسيطرة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
"ما كنا نستطيع أن نتصور كل هذا"، قال السيد النواجعة بينما كان اثنان من أولاده الاثني عشر يتجادلون حول لعبة شكل طائرة هليكوبتر.
"اعتاد الإسرائيليون تدمير قريتنا، وكنا ننام في العراء، في المطر، ولم يكن أحد يعلم شيئاً عنا".
ثلاث مرات في السنوات الثلاثين الماضية، تم تشريد سكان القرية، وهم يواجهون الطرد مرة أخرى الآن. وما لم تأمر المحكمة العليا مسؤولي الدفاع الإسرائيليين بتغيير وجهتم، فسيتم قريباً هدم سوسية.
يستحق تنفيذ حكم المحكمة يوم 3 آب (أغسطس)، لكن السكان يخشون أن لا تنتظر الجرافات كل هذا الوقت. ويقولون إن المسؤولين حذروا من أن أجزاء من القرية ربما يتم هدمها في وقت أقرب. وتقول محامية القرية، قمر المشرقي-عصاد من منظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان إنهم أطلعوها على خريطة وقائمة بالمباني التي من المقرر أن تذهب.
يعيش سكان سوسية الآن على قطعة من الأرض بين موقع أثري إسرائيلي وبين مستوطنة يهودية تحمل اسماً مشابهاً جداً، سوسيا. وكان قد تم الدفع بهم إلى الخروج من منازلهم في العام 1986 لإفساح الطريق أمام أعمال الحفر الأثري الذي كشف عن كنيس يهودي من القرن الرابع مع أرضية فسيفسائية عليها كتابات عبرية.
ثم جرى اقتلاعهم من منازلهم في العام 1990 لأسباب غير واضحة، ثم مرة أخرى في العام 2001 كعقاب جماعي رُبط بحادثة إطلاق النار على مستوطن يهودي وقتله. ومع عدم وجود مكان آخر يذهبون إليه، لجأ السكان إلى بساتينهم ومراعيهم، ليقيموا في منازل فقيرة مرتجلة من خيام المشمع والخرسانة.
تقع أراضي سوسية ضمن ما يعرف باسم "المنطقة ج"، وهي جزء من الضفة الغربية تشرف عليه الأجهزة الإسرائيلية مباشرة وليس السلطة الفلسطينية. ومن الصعب جداً على الفلسطينيين أن يحصلوا على تراخيص للبناء في الكثير من أجزاء "المنطقة ج"، إلى درجة جعلت السلوك الإسرائيلي هناك يستدرج الكثير من النقد الدولي.
يقول المسؤولون الإسرائيليون إن الأمر كله يتصل بالتخطيط. وقال متحدث عسكري في رد مكتوب على الأسئلة بقوله إن ما هو الآن سوسية "بني بشكل غير قانوني، وهو ملاصق لموقع أثري". وقد التقى مسؤولون إسرائيليون بالسكان "لمناقشة" قرار المحكمة العليا "وبحث الحلول البديلة وفقاً لاعتبارات التخطيط"، كما قال المتحدث.
يقول الفلسطينيون إن أحد الاقتراحات هو نقلهم إلى ضواحي يطة؛ البلدة الواقعة على بعد ميل من قريتهم. لكن سكان سوسية يخشون من قيام المستوطنين اليهود المجاورين بمصادرة أراضيهم في حال غادروا بساتينهم ومراعيهم. وقالت الأمم المتحدة إن سكان سوسية يفتقرون مسبقاً إلى إمكانية الوصول إلى ثلثي أراضيهم الزراعية -حوالي 500 فدان- لأنها تقع في داخل، أو بجوار المستوطنة الإسرائيلية.
ويقول سكان سوسية إنهم يتعرضون للكثير من الضغوط لدفعهم إلى المغادرة، بالتحديد لأن المستوطنين يريدون توسيع مجتمعهم ليمتد مباشرة إلى الموقع الأثري، وما يقال إنه الدليل الملموس الذي يقدمه ذلك الموقع على أن اليهود كانوا هناك قبل 1700 سنة من الآن.
تقول سارة النواجعة (70 عاماً): "إننا مثل شوكة السمك في حلوقهم". (الكثيرون من سكان القرية هم من أعضاء قبيلة النواجعة، ويتقاسمون نفس الاسم الأخير). وتضيف: "إننا لن نرحل، لأننا إذا فعلنا، فإنهم سيأتون ويبنون لأنفسهم بيوتاً هنا".
يقول آري بريجز، من ريغافيم، وهي جماعة إسرائيلية تريد من الفلسطينيين الرحيل، إنهم سيكونون أفضل حالاً إذا انتقلوا إلى مكان ما فيه متسع للنمو، ويتساءل عما يدفعهم إلى أن يريدوا البقاء في مكانهم.
ويتساءل السيد بريغز: "إذا كانوا يبحثون عن مناطق، لإقامة قرية، كما تعلم، لماذا قد يختار أي شخص هذا المكان هنا، إلا إذا كانت لديهم أجندتهم الخاصة لوضعها مباشرة بين المتنزه الأثري والمجتمع اليهودي؟".
ما يزال السكان في خوف منذ النزوح الأول في العام 1986، وقد سعوا إلى وجود أجنبي في المنطقة في عقد التسعينيات، على أمل أن ذلك سيساعد في حمايتهم من عنف المستوطنين والمزيد من التشريد. وجاء أول الغوث مع منظمة تدعى "فرق السلام المسيحية"؛ كما وصل غيرها من الأجانب بعد أن بدأت الانتفاضة الفلسطينية في العام 2000، بما في ذلك متطوع ألماني ساعد سوسية في الحصول على الطاقة الشمسية. كما ساعدت جماعات المعونة الأوروبية في بناء مدرسة وعيادة، كما يقول السكان.
صنعت القرية الأخبار الدولية أول مرة في العام 2008، عندما استخدمت واحدة من مواطنات القرية كاميرا فيديو متبرعاً بها لتسجيل رجال ملثمين وهم يضربون زوجها، إسماعيل النواجعة. كما صنع إسرائيليون متعاطفون أفلاماً قصيرة أخرى عن سوسية. وتم إنشاء موقع إلكتروني وصفحة "فيسبوك" للقرية.
تمكن السكان من "وضع سوسية على الأجندة الدولية، بطرق لم تستطع القرى الأخرى أن تنجح في مثلها"، حسب ساريت ميخائيلي، المتحدثة باسم منظمة بتسيلم، منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية التي تبرعت بكاميرا الفيديو.
بدا أن سنوات من النضال قد بدأت تثمر عندما شرع القرويون يحذرون هذا الشهر من أن سوسية أصبحت تحت التهديد. وقد توافد النشطاء الإسرائيليون إلى المنطقة، وزارها وفد من الاتحاد الأوروبي، وكذلك فعل مسؤولون قنصليون أميركيون. ثم أثار السيد كيربي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه القضية في 16 تموز (يوليو).
وقال السيد كيربي إن هدم سوسية "سوف يؤسس إجراءً ضاراً للنزوح ومصادرة الأراضي، لا سيما بالنظر إلى النشاط المتعلق بالاستيطان في المنطقة". وأضاف: "إننا نحث السلطات الإسرائيلية على العمل مع سكان القرية من أجل وضع اللمسات الأخيرة على خطة" تعالج احتياجاتهم الإنسانية.
يوم الاثنين الماضي، دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى السماح للفلسطينيين بالبناء في المنطقة ج ووقف الخطط الرامية إلى إجبار الناس على الانتقال وهدم المساكن والبنى التحتية في سوسية.
بالإضافة إلى ذلك، أقام نشطاء في داخل القرية وحولها في عمل تضامني. وفي الآونة الأخيرة، تجلس سيدتان كنديتان، ينورا ياركي وباتريشيا ميرسر، في ظل خيمة مكتسية بالأعلام الفلسطينية وأعلام الاتحاد الأوروبي، وتقولان إنهما تتواجدان هناك لتكونا شهادتي عيان من الخارج على كل ما سيحدث في القرية. وقالت السيدة ميرسر: "إذا ذهبت سوسية، لن تكون هناك أي حماية للقرى الأخرى. لقد أصبحت (هذه القرية) ترمز إلى كل ما يجري خطأ هنا".
قبَّل ناشط إسرائيلي طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات، جنان النواجعة، التي كانت تلعب خارج خيمة عائلتها. وقالت والدة الفتاة، إسلام النواجعة، الحامل، إنها لم تنم جيداً منذ أيام، بسبب القلق من اجتثاثهم. لكن لديها خطة، كما قالت: إذا هدمت السلطات الإسرائيلية منزلها، فإنها سترسل أطفالها إلى بيت أحد الجيران، ثم تقوم ببناء خيمة أخرى تحت جنح الظلام.
وتقول السيدة النواجعة إنها مسرورة بمعرفة واشنطن عن سوسية. وتضيف ضاحكة: "يستطيع جون كيري أن يشتري لي غسالة وثلاجة إذا حطموا ما لدي. لكنهم إذا تركونا نعيش هنا بسلام، وحيث يكون أطفالنا بأمان، فهذا أهم شيء".

ala.zeineh@alghad.jo
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How a Palestinian Hamlet of 340 Drew Global Attention

التعليق