ما بعد الصفقة النووية

تم نشره في الثلاثاء 28 تموز / يوليو 2015. 11:00 مـساءً

فولكر بيرثيز*

برلين- بعد 12 عاماً من المفاوضات الشاقة، توصلت إيران وبلدان "5+1" (الصين، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا) إلى اتفاق شامل يقضي بالحد من تطوير إيران قدراتها النووية، بحيث تقتصر على الأغراض غير العسكرية. وفي مقابل تعاونها، سوف تُعفى إيران في نهاية المطاف من العقوبات القاسية التي فرضتها الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة عليها لسنوات. وهو نجاح دبلوماسي كبير.
بطبيعة الحال، أثارت المفاوضات الكثير من المنتقدين، بما في ذلك في الكونغرس الأميركي والبرلمان الإيراني، فضلاً عن المملكة العربية السعودية، وإسرائيل، بل وحتى فرنسا. ولكن فوائد الاتفاق المحتملة لا يمكن إنكارها.
بادئ ذي بدء، تثبت الصفقة أنه ما يزال بوسع زعماء العالم -رغم انقسامهم حول عدد كبير من القضايا، مثل الصراع في أوكرانيا والنزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي- أن يجلسوا معاً لحل مشكلة مشتركة. كما أن من شأن هذه الصفقة أن تجعل الانتشار النووي في الشرق الأوسط أقل ترجيحاً، في حين تعمل على تعزيز نظام منع الانتشار النووي في العالم وتسمح بتطبيع العلاقات بين إيران والغرب.
لا شك أن لدى الدول المجاورة لإيران مخاوف مشروعة إزاء التأثير الذي قد تخلفه الصفقة على ميزان القوى في المنطقة. فمع رفع العقوبات، تصبح إيران أكثر قوة، الأمر الذي يشكل تحدياً لنفوذ دول الخليج. ومع توقعها لهذه النتيجة، سعت هذه الدول مسبقاً إلى الحصول على التطمينات من الولايات المتحدة، في حين تنتهج سياسة أكثر عملية وواقعية في اليمن أو سورية، حيث تعتبر أنها تعمل على احتواء طموحات الهيمنة الإيرانية.
لكن تأثير الاتفاق النووي سيعتمد نهاية المطاف على الديناميكيات السياسية في إيران. ويدعم الكثيرون، بل وربما الأغلبية، في المؤسسة الإيرانية فكرة التوصل إلى حل للمواجهة النووية، ويتفقون على أنه لا يجب أن تظل إيران على خلاف دائم مع بقية العالم. ولكن البعض ينظرون إلى النزاع باعتباره أحد العناصر الأساسية المكونة للهوية الثورية للبلاد.
وهكذا، فإن دينامية ما بعد الاتفاق يمكن أن تتطور بطريقتين. في السيناريو الأول، تتطور الأحداث بما يوافق آمال مجموعة 5+1 والمفاوضين الإيرانيين، حيث يساعد الاتفاق في تضخيم أصوات أولئك في إيران الذين يدعون إلى التسوية الإقليمية والدولية.
وفي هذه الحالة، تمد إيران يدها إلى المملكة العربية السعودية بإشارة مقنعة إلى أنها لا تعتزم تعزيز نفوذها على حساب السعوديين أو حلفائهم. وسيسمح مثل ذلك للمملكة العربية السعودية بالانضمام إلى إيران في استخدام نفوذها في سورية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين قوات النظام والمتمردين، وتمهيد الطريق لتشكيل حكومة انتقالية ذات مصداقية وقادرة على دحر تنظيم الدولة الإسلامية. وعلى نحو مماثل، تعمل المملكة العربية السعودية وإيران على إنهاء الاقتتال في اليمن من خلال دعم اتفاق تقاسم السلطة هناك.
من ناحية أخرى، سوف يساعد الإعفاء من العقوبات، جنباً إلى جنب مع عودة الشركات الدولية تدريجياً، في دفع عجلة الاقتصاد الإيراني المعتل. وسيعمل الانفتاح المتزايد على أوروبا، وعلى الولايات المتحدة بشكل أكثر حذراً، على تشجيع أفراد الطبقة المتوسطة من ذوي العقلية الإصلاحية في إيران على البحث عن مستقبلهم داخل البلاد، بدلاً من الهجرة.
وأخيرا، في ظل هذا السيناريو، تساعد مكانة الرئيس حسن روحاني الدولية القوية في تمكينه من التغلب على مقاومة المحافظين لملاحقة تنفيذ الإصلاحات الداخلية المطلوبة بشدة. وعلى هذا الأساس، يفوز ائتلاف روحاني من الإصلاحيين والبراغماتيين بسهولة بالأغلبية عندما يتم انتخاب البرلمان الإيراني التالي في العام 2016، ويعاد انتخاب روحاني في العام 2017.
أما السيناريو الثاني، فأقل سخاءً واعتدالاً. وفي هذه الحالة، سرعان ما يصبح من الواضح أن الدعم المحلي للاتفاق النووي كان عريضاً، ولكنه ضعيف الحاشية. وفي حين يرغب معسكر روحاني الإصلاحي في تحسين علاقات إيران الخارجية، تنظر القوى المحافِظة والقومية المحيطة بالمرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، إلى الاتفاق باعتباره أداة ضرورية لإزالة العقوبات الاقتصادية وتعزيز قدرات إيران العسكرية التقليدية.
ثم يعمل رجال الدين المتشددون على تقويض كل ما يسعى روحاني إلى بنائه من الثقة مع الدول المجاورة لإيران من خلال التصريح مراراً وتكراراً بأن الاتفاق يمثل اعترافاً ضمنياً من القوى العالمية الكبرى بقوة إيران. ويثبت هذا الموقف صحة توقعات المتشككين، وهو ما من شأنه أن يدفع المملكة العربية السعودية إلى استئناف جهودها الرامية إلى بناء "تحالف سُنّي" لاحتواء النفوذ الإيراني ودعم المعركة ضد من تعتبرهم وكلاء لإيران في بلدان مثل سورية واليمن.
فضلاً عن ذلك، ومع ارتفاع التوترات الإقليمية، يصبح التأثير الاقتصادي المترتب على رفع العقوبات بالغ الضآلة، في حين يكسب المحافظون الأرض في مقاومة الإصلاح. والواقع أن روحاني وحلفاءه عاجزون عن بث الأمل الاقتصادي في أنفس الإيرانيين العاديين -وهو الفشل الذي يجعلهم يخسرون الانتخابات التشريعية والرئاسية.
من عجيب المفارقات، في هذا السيناريو المتشائم، أن قدوم حكومة جديدة في إيران يسيطر عليها المحافظون والمتشددون، سوف يناسب المنطقة بشكل أفضل من الحكومة الحالية في واقع الأمر. ذلك أن المملكة العربية السعودية، ومصر، والعديد من الدول العربية الأخرى، يحكمها أيضاً متشددون لا يهتمون كثيراً بوقف تصعيد الصراعات الإقليمية. ومن شأن ذلك أن يجعل ظهور زعامة ذات توجه إصلاحي من جديد في إيران أمراً بالغ الصعوبة.
بطبيعة الحال، سوف يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً عبارة عن مزيج من الديناميتين. ولكن، لأن مصلحة الجميع تملي عليهم العمل على ضمان ميل التطورات نحو المسار الإصلاحي بشكل أوثق، فلا بد أن يكون من الواضح في نظر الجميع أن العمل الدبلوماسي في ما يتعلق بإيران لم يقترب من الاكتمال بعد.

*رئيس ومدير المعهد الألماني للشؤون العالمية والأمنية، برلين.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015

التعليق