من الصعب تسويق فكرة شن بريطانيا حرباً على "داعش"

تم نشره في الأربعاء 29 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يتحدث في الأمم المتحدة عن إمكانية ضرب "داعش" - (أرشيفية)

ماري ديجفيسكي - (الغارديان) 20/7/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
قبل عامين، رفض البرلمان في المملكة المتحدة خطة لتنفيذ ضربات جوية بريطانية في سورية، وهو قرار قبله رئيس الوزراء عن طيب خاطر. وقبل شهرين، بدا وزير التجارة الجديد، ساجد جافيد، وكأنه يتحدث نيابة عن الحكومة عندما رفض صراحة دعوات وجهها أعضاء سابقون من كبار الضباط من أجل "تواجد قوات على الأرض" لمحاولة وقف تقدم مجموعة الدولة الإسلامية "داعش"، وقال إن الأمر يعود لشعوب المنطقة لتخوض حروبها الخاصة.
قبل أسبوعين من ذلك، عرض ديفيد كاميرون مشاركة المملكة المتحدة في توجيه ضربات جوية مع الحلفاء فوق سورية للغاية نفسها، لكنه وعد بعرض أي اقتراح من هذا القبيل على البرلمان في الخريف المقبل. وبدا أن أعضاء البرلمان، وفي الحقيقة كل الطبقة السياسية، يمكن أن يغادروا ويستمنيستر (مقر البرلمان) بفكرة معقولة عن المكان الذي تقف فيه السياسة.
ولكن، ليس بعد الآن: فقد رشح قبل أسبوع تقريباً، وبفضل طلب لحرية المعلومات قدمته جمعية خيرية لحقوق الإنسان، أن طيارين بريطانيين كانوا قد شاركوا أصلاً في توجيه ضربات جوية فوق سورية. وقد راوغ الوزراء والمتحدثون باسمهم وارتبكوا لدى اعترافهم بأن طياري سلاح الجو الملكي البريطاني نفذوا هجمات جوية، لكن ضرباتهم لم تؤثر بالفعل، أولاً لأنه كان هناك القليل من الطيارين ومن الضربات؛ وثانياً، تعلق التصويت في البرلمان قبل عامين بعدو مختلف (الرئيس الأسد)؛ وثالثاً، اندمج الطيارون مع القوات الأميركية وغيرها من قوات التحالف ولم يكونوا يقودون طائرات بريطانية.
فيما يُحسَب لهم، لم يظهر أن أي واحد منهم كان مرتاحاً على وجه الخصوص بقول أي من هذا. كان هناك شعور بنوع من الخجل والتوتر. أما الآن، وحتى مع ما تبقى من التوضيح الرسمي بعد الإقرار بـ"الاندماج"، فإن هذا الشعور لم يعد قائماً. وقبل أيام من بدء عطلة البرلمان الصيفية، فتحت الحكومة البريطانية جبهة جديدة التي استخدمت فيها كل الأسلحة الخطابية. وفي الحقيقة، وكما عرض خطاب كميرون المعادي للتطرف وأقوال وزيرة الداخلية، تيريزا ماي، في برنامج لهيئة الإذاعة البريطانية، راديو 4، فإنها جبهة مزدوجة.
فجأة تجد بريطانيا نفسها على شفير خوض حرب جوية على الأقل عبر سورية والعراق، وحرب أخرى في الوطن ضد الجهاديين العائدين والمتطرفين المسلمين من كل لون. نعم، ولنشاهد كيف يستخدم الوزراء البريطانيون الآن الاسم الأميركي الأكثر رعباً، "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام"، بدلاً من "الدولة الإسلامية في العراق وسورية" أو "الدولة الإسلامية" (الذي تعرضت هيئة الإذاعة البريطانية للتوبيخ بسبب استخدامه).
وإذن، ما الذي تغير بالضبط، والذي جعل الحكومة تقرر الذهاب إلى "طيف كامل" (مصطلحها) من الأعمال الحربية، فقط قبل العطلة مباشرة؟ جزئياً، يبدو أن ما يجري يعكس تقييم الأجهزة الأمنية. وكانت هي التي أشارت على وزارة الخارجية والكومنويلث حظر السفر إلى تونس، حتى رغم أن السياح الفرنسيين والألمان ما يزالون يستمتعون بالحمامات الشمسية هناك.
في الماضي، أخذ المسؤولون في المملكة المتحدة ما يمكن وصفه بأنه مواقف أكثر صرامة تجاه التهديدات، وحتى الهجمات في الخارج، بشعارات مثل "عدم الإذعان للإرهابيين". لكن هناك في هذه المرة حظر على السفر، والذي لم يأت كرد مباشر على قتل بريطانيين في بلدة سوسة التونسية، وإنما جاء بعد أسبوعين تقريباً، اعتقاداً بأن الهجوم قد يتكرر. ولم يتم تقديم وزن ولا أصل هذا المنطق -كما لا يمكن توقع أن يتم ذلك. ويمكن البوح بالاستخبارات الخام، كما تعلمنا من النصيحة الخاصة بأسلحة الدمار الشامل في العراق، لكنه يجب أن يقوم بتأويلها أولئك الذين يعرفون عنها.
بالإضافة إلى ذلك، ما يزال الأعضاء المتقاعدون من كبار الضباط يحذرون منذ بعض الوقت من التهديد الذي يشكله "داعش" على الحضارة كما نعرفها. وكانت هناك جلبة حول ذلك قبل الانتخابات، ثم تضاعفت الدعوات مؤخراً. وكانت أحدث الشخصيات الداعية إلى القيام بعمل هي قائد الجيش السابق لورد دانات، واللورد ريتشاردز، الرئيس السابق لهيئة الأركان. وكان اللورد ريتشاردز صريحاً في المجاهرة برأيه مؤخراً؛ حيث استخدم كل منصة تحت تصرفه ليقرع منها جرس الإنذار وليدعو إلى تعبئة قومية مشابهة لما حصل أيام الحرب العالمية الثانية.
ربما لا يكون معروفاً إلى أي مدى يتحدث هؤلاء الرؤساء المتقاعدون للأجهزة عن أنفسهم، وإلى أي مدى يتحدثون كوكلاء عمن خلفوهم في المناصب -الذين يتوقع منهم احترام تقليد اتباع معلميهم السياسيين بهدوء، لكن من المؤكد أن أجراس التحذير تُقرع الآن.
كان هناك حديث أيضاً عن "داعش" كتهديد وجودي"، وهو مصطلح التقطه كميرون (ثم أسقطه) بعد الهجوم في تونس. كما اشتكى الرؤساء السابقون من افتقار القيادة السياسية إلى إقناع الجمهور البريطاني بجدية التهديد.
ربما كان رداً على هذا القصف أننا عوملنا على هذا النحو بسبب قانون كميرون وماي عن العمل المزدوج، والذي استشهد بالحاجة الملحة إلى محاربة "داعش" من خلال "القيم البريطانية"، لنضع البلد من الناحية الفعلية في حالة تأهب ضد الإسلام المتشدد لدينا. فهل يستطيع أي أحد أن يشتكي الآن حقاً من الافتقار إلى قيادة سياسية؟
وهكذا، ثمة ثلاثة عناصر الآن: تقييم الأجهزة الأمنية في أعقاب هجوم سوسة؛ وتصعيد وتيرة التحذيرات من كبار الضباط السابقين؛ والنشاطات التي يقوم بها المتطرفون الدينيون الذين يتم أو لا يتم تعقبهم من جانب الأجهزة الأمنية في الوطن. وينظر إلى كل واحد من هذه العناصر كعنصر واحد من تهديد أكبر.
ولكن، ماذا إذا كان هناك المزيد من تفريق هذه العناصر؟ وما هو التهديد المباشر -الذي ما يزال أقل من وجودي- والموجه فعلاً للمملكة المتحدة، أو حتى أوروبا، من جانب قوى ما قبل العصور المتوسطة والتي تجتاح شمالي العراق وسورية الممزق أصلاً؟
وماذا إذا كانت للمهاجم في تونس القليل -أو لا شيء من العلاقة مع "داعش" فيما عدا التماهي المتبجح بماركة سيئة الصيت؟ وماذا إذا عمد رؤساء الأجهزة للإدلاء بدلوهم أمام المراجعة الأمنية والدفاعية الوشيكة للحكومة؟ وإذا ما انضمت فئة صغيرة من مسلمي بريطانيا، تحت أي مسوغ، إلى "داعش"، فكيف يستطيع هذا التطور أن يجعل من تلك القوة البربرية -تلقائياً- تهديداً مباشراً لأمتنا؟ الحقيقة المؤسفة هي أنها ليست بك حاجة إلى إضاعة الوقت في التدريب في سورية أو الصومال إذا كان هدفك قتل بعض مواطنيك البريطانيين.
هذا لا ينفي حقيقة أن هناك تهديدات للمملكة المتحدة من الإسلام المتشدد بشكل خاص. لكن تغليف العديد جداً من المخاطر المنفصلة في داخل خطر واحد لن يفضي بالضرورة إلى النتيجة المرجوة. ويجازف الرد الشعبي بأن يكون في وسط التقاطع بين النزعة الانهزامية، على أرضية أنه لا يمكن فعل أي شيء، وبين التشاؤمية لأن حجم التحذير لا يتناسب مع أي تهديد يمكن مشاهدته.
حتى بعد 12 عاماً من غزو العراق، ستواجه أي حكومة بريطانية صعوبة في إقناع الشعب بأن الحاجة تمس إلى خوض غمار حرب أجنبية، لأن بئر الثقة ما تزال مسمومة. كما يجعل الارتباك والمبالغة الرسميين حول "داعش" من تلك المهمة أكثر صعوبة.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:A war on Isis is a hard sell: the well of trust is still poisoned by Iraq

التعليق