المنهج الخفي الذي يحرم الفنون!

تم نشره في الأربعاء 29 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

سمر دودين*

المنهج الخفي هو منظومة ثقافية دوجماتية، يتم تداولها وتعليمها للنشء بطرق غير معلنة. وهو يؤكد، في المدرسة والجامع والمنتديات الثقافية، على أحادية مؤسفة في النظر إلى الذات والآخر. وبالتأكيد، فإن استبعاد الفنون والفلسفة والدراسات الثقافية من مدارسنا، والكثير من مراكزنا التنموية، ما هو إلا أحد مظاهر هذا المنهج.
رغم مرور مئات السنين على مشروع ابن رشد التنويري، والذي كان له الفضل الأكبر تاريخيا في حسم أولية العقل على عملية النقل، وأهمية الاحتكام للمنطق والتحليل المنفتح في عملية البحث عن الحقيقة، إلا أن المنهج الخفي استمر في نخر العملية التربوية، وحمل معه بذور المقاومة لفكر التنوير الذي يعتبر الحرية الفكرية قيمة عليا وأساسية في التقدم الحضاري، والذي انتقل إلينا مع مفكري الحداثة، مثل بطرس البستاني، وفرح أنطون، وقاسم أمين، وطه حسين.
ظهرت أولى الدراسات التربوية الحديثة التي تناولت مفهوم المنهج الخفي في الستينيات. ويعد كتاب "باولو فريره" (Paolo Freire) البرازيلي "بيداغوجية المقهورين" إحدى أهم الأطروحات التي تناولت كيف يهيمن المنهج الخفي على العمليات التربوية والتعليمية والأعراف والقيم والمعتقدات كافة، فيسلب المتعلم حرية البحث والاستقصاء المبنيين على فهم عميق للواقع وموازين القوى التي تحكمه. ويشير هنري جيرو (Henry Giroux, 2001) إلى أن هذا المنهج يُتعلم من خلال الثقافة السائدة ذات السطوة والهيمنة في الفضاء التربوي، رسميا كان أم غير رسمي، وليس من خلال الخطط التعليمية المعتمدة. وعندما لا نتناول هذا المنهج الخفي في حساباتنا، كتربويين وعمال مجتمع، فإننا نعمل بلا وعي في معظم الأحيان، على تكوين ثقافة مدرسية تعزز اتجاهات تتناقض مع الخطط والأهداف التربوية المعلنة.
نصت المادة الرابعة من قانون التربية والتعليم لسنة 1994، على أن أحد الأهداف العامة للتربية في الأردن هو "تذوق الجوانب الجمالية في الفنون المختلفة وفي مظاهر الحياة". وهذه عبارة صريحة ومهمة تؤكد أهمية الجمال والفنون من وجهة نظر المشرع التربوي في بلادنا. إلا أن أي قارئ مطلع على مناهجنا يعرف تمام المعرفة أن عملية التذوق الفني شحيحة؛ إذ يشكل منهج الفنون من المنهج الكلي في الأردن نسبة 1 %  فقط، بحسب الدكتور ذوقان عبيدات، والذي يشير في دراسة ملهمة ومهمة إلى أن الأصول الداعشية في المناهج الأردنية هي: "غياب ما ينمي الدماغ بوجود الكتب والامتحانات ذات النمط السردي التلقيني، إضافة لتغييب الفن والموسيقى والشعر والعاطفة والحب والذوق عن المناهج، وهو أمر مقصود" ("الغد"، 8/ 7/ 2015).
تعترف كل المؤسسات التربوية بالنظريات النمائية المعرفية، والتي تؤكد أن الطفل يمارس اللعب كوسيط للتعلم، وأن الفنون والعلوم التطبيقية المتلازمتين هما في مركز وجوهر هذه العملية. فلماذا، إذن، لا نجد الموسيقى والفنون التشكيلية وصناعة الأفلام والفنون الأدائية -التي تتضمن المسرح والموسيقى والرقص- جزءا أساسيا من المنهج والحصص الصفية؟ لماذا لا يتم التركيز عليها في عملية تكوين المعلم، ولا توظف كوسائط تعلم فعالة في تطوير اتجاهات الطلبة وقدرتهم على التأمل لخلق معرفة جديدة أكثر انفتاحا؟ ولماذا تمنع مدارس كثيرة، بشكل غير معلن ومن دون أي ضجيج، تعليم الموسيقى باعتبارها من المحرمات، وأن الفنون بشكل عام، والموسيقى والمسرح والرقص بشكل خاص، تحرك الشهوة وتثير المتعة، وتدفعنا جميعا نحو الهلاك الأخلاقي؟! ولماذا لم تتصد وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة لمثل هذا الخطاب الرجعي الذي يؤسس لفكر العصور الوسطى الظلامي، حين كان العلماء سحرة، والفنانون مشعوذون؟!
إن المطلع على نظريات الذكاء المتعدد والذكاء العاطفي، يعي تماما أن للعاطفة والذائقة الفنية الجمالية دورا مهما في تنمية معرفة الطفل بذاته وبعلاقته مع الآخر. كما أن عمليات الخيال والتكوين والتعبير التي تتضمنها وسائط الفنون، تنمي التفكير الناقد والمبدع، وتمرن على حل المشكلات الاجتماعية القيمية.
إن الفنون تحمل عمق وغنى التجربة الإنسانية المتكاملة. فعندما نختبر الفنون، نعيش حيوات أخرى، تسمح بتوسيع رؤيتنا لأنفسنا وللآخر، وتجعلنا أكثر تسامحا مع خطايانا وضعفنا، وتشحذ فينا الأمل والهمم، لننطلق نحو الكون الفسيح، مبادرين متسائلين، معبرين متعاطفين، ومنتجين للمعرفة.
إن قضية الفنون ليست القضية الوحيدة في إشكالية التعليم في الأردن، وقد همشت عبر سنوات من تأثير المنهج الخفي على خطاب التربية وثقافة المدرسة ومراكز التعلم؛ لكنها تحمل رمزية ودلالة كبيرة. فمن يروج بأن الفنون حرام شرعا، وأن التعبير الحر من خلال وسائط الفنون هو عمل يجب الحد منه بالإرهاب الفكري لقوى التطرف والتجهيل، إنما يزرع بذور الإقصاء، ويؤسس للاستبداد المعرفي والاجتماعي الكفيل بكل أشكال العنف.
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لتأسيس تحرك مدني شجاع طويل الأمد وعنيد، للمطالبة بإدراج الفلسفة والفنون كمساقات جوهرية في العملية التربوية. فربما ننتشل أشلاءنا المفتتة عبر سنوات من الاستبداد وتدخّل الأطروحات الدينية المتطرفة في السياسة والحياة، بل واستلاب عملية التعليم بكاملها من قبل قوى إقصائية خطيرة، بدلا من إعمال العقل وإعلاء شأن العلم والمعرفة والفنون.

*ناشطة ثقافية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل الحق (سوسن دروزة)

    الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    هذا التحليل دقيق جدا يا سمر ، ينم عن خوف و رعب من فكرة السؤال الذي سيطرأ في ذهن الطلاب عندما يتعرضون لمساقات وعلوم فنية وأدب وفلسفة، هو زعزعة للمنظومة الرتيبة والآمنة لمدة محددة و لكن نقص هذا أسؤال هو الخطر الحقيقي على الأجيال التي تجد نفسها في وسط دوغما محدودة الأفق يمكنها ان تقود الى هاوية التطرف و الإغلاق على العقول ، ف لماذا تستغرب من يلتحقون ب حركات متطرفة و في بعض الأحيان إرهابية ،، فهم لا يمتلكون الأدوات الأساسية للفكر النقدي و التحليل عندما يأتون من ثقافة الحرام الفني و بالتالي الإنساني و هذا الحرمان من تلك الفنون ما هو إلا لتأسيس منظومة أخلاقية جديدة قائمة على الجهل و الظلام
  • »المنهح الخفي متى وجد حقيقة (محمد السني)

    الجمعة 31 تموز / يوليو 2015.
    اكدت كل الجراسات العلمية عن اهمية الفنون في توسعة ورقي طﻻبنا وفتح مداركهم على عوالم فسيحة ورحيبة ليحققوا الجمال ويستمتعوا به ويتمتعوا ليكسبوا فهما راقيا وحسا عاليا وتسامحا نقيا ليكونوا اخيارا في هذا العالم الذي تسوده الفوضى من جهل اعداء الفنون
  • »شمعة (كامل الباشا - القدس المحتلة)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2015.
    اضأت سيدتي شمعة وسط ظلام دامس ، ارجو ان يتأسس هذا التحرّك المدني ويمتد ليشمل اقطارنا كافة ولا بد لنجاحه من قوة ضاغطة تتمثل في مجموع الفنانين والتربويين الواعين لمخاطر تهميش الفنون في وعينا ووعي الاجيال القادمة .
  • »تحية فنية (حسان بدور)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2015.
    اطلعت على مقالك الغني بشحنته على مناهج تدريس وتربية الفنون ..واشاطرك الراي والاهتمام ..على اني متفق بضرورة المساهمة بطرح اليات وحلول بيداغوجية من طرف كل الفاعلات والفاعلين ..خصوصا الممارسين للتعابير الفنية ميدانيا لانهم .بخلاف المنظرين ..قد عايشوا عمليا معاناة التربية والبحث عن الذات الإبداعية من خلال المعايشة الموازية /والعنيفة ..مع سيرة البيت والمدرسة والشارع والاعلام ...وقد أن الأوان لسماع طموحاتهم ..سيما وأن التراكم المرحلي لأزمات الفن والمعرفة والتربية على مستوى مكان وزمان الأمة والشعوب العربية..أصبح بحاجة للبحث ومقاربة مثل هذه الإشكاليات ..واجدر بالمبدعين الممارسين ان يدلوا بدلوهم ...في تعاون مواز ومش ترك لطرح بدائل منهجية لإعادة توجيه وتربية الذوق الناشئ لدى طفولتنا وشبابنا فرضيات بديلة ..ومستوحات من رؤانا الذاتية ...
    مع الشكر ..
    حسان بدور - الدار البيضاء المغرب.