الجامعات الأردنية: الاقتصاد الوطني والاغتراب الأكاديمي

تم نشره في الخميس 30 تموز / يوليو 2015. 12:00 صباحاً

أ. د. حمود سالم عليمات

تمثل الجامعات صروحا في النهضة الوطنية. وتعتبر من البنية الأساس التي أنفقت عليها الدولة، وما تزال، مئات ملايين الدنانير. فكما أن التعليم هو حق وضرورة لكل مواطن، فيفترض فيه كذلك أن يكون منتجا ومضيفا للاقتصاد الوطني؛ سواء بالبحث والتطوير، أو الدخل من الاستخدام الخارجي، أو من استقطاب الطلبة والمشاريع، أو من خلال توفير العملة الصعبة جراء تقليل سفر الطلبة الأردنيين إلى الخارج طلبا للعلم والدراسة العليا.
أمر ذو أهمية وحساسية وخطورة، وددت الحديث عنه في هذا المقال الموجز، وبمناسبة الاهتمام الرسمي بالمغتربين وعقد مؤتمر لهم؛ ألا وهو عمل أساتذة الجامعات الأردنيين خارج الأردن، وخاصة في دول الخليج العربي، وفي المنظمات الدولية والإقليمية والعربية.
وينبغي التذكير، ابتداء، أن تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج تمثل مكونا رئيسا في دعم الاقتصاد الوطني، وتشير الأرقام إلى ما يقارب 4 مليارات دولار تقريبا، تزيد أو تنقص قليلاً، والأرقام الصحيحة لدى الحكومة. والسؤال هنا: هل ترفد الاستثمارات العربية أو الأجنبية الموجودة في الأردن الخزينة بمبالغ تبرر الإعفاءات والحوافز الضخمة التي تتلقاها؟ وهل يلقى المغتربون الأردنيون معاملة تليق بما يقدمونه للوطن ولاقتصاده؟
إن عمل الأساتذة الجامعيين خارج الأردن، له تاريخ طويل حافل بالمرارة والأسى، بسبب سلبية التعليمات والإجراءات التي تتبعها الجامعات الأردنية، مع ما يجره ذلك من خسارة للاقتصاد الوطني. إذ لا تسمح كثير من التشريعات إلا للأساتذة المثبتين بأخذ الإجازات بمختلف أنواعها. وبمرور الزمن، سمحت التشريعات لرئيس الجامعة منح الأستاذ إجازة اضطرارية لمدة فصل، يجدد مرة واحدة.
وما تزال التشريعات والممارسات تضيق على الأساتذة فرص العمل خارج أسوار الجامعات. فمن حيث المبدأ، تحدد التشريعات نسبة 20 % ممن يسمح لهم بالإجازات، والعمل خارج الجامعة. ولا شك في أن هذه نسبة قليلة، وقد وضعت منذ سنوات طويلة ولم يجر عليها تعديل.
إننا نعلم أن حكومات دول عربية وغير عربية، وعلى أعلى المستويات، تبحث عن عمل لأبنائها، خاصة أساتذة الجامعات، وتمنحهم الإجازات الطويلة ما دام لهم عمل، وهي تبدأ بعشر سنوات تجدد بعد ذلك. وهذا عمل عظيم من تلك الحكومات وجامعاتها؛ فالأساتذة يجلبون تحويلات هائلة لبلدانهم، خاصة وأنهم يتلقون رواتب عالية نسبياً. لقد رأينا دولا تدفع الملايين مقابل أن يحصل أحد مواطنيها على موقع رفيع في منظمة دولية، وبعض الدول تمول حتى نشاطات ذلك المواطن.
ورغم أن بعض الجامعات العربية الخليجية ترغب في استقطاب وتوظيف أساتذة أردنيين لفترات طويلة، إلا أن ذلك لم يتحقق بسبب عقم إجراءات الجامعات الأردنية. فالجامعات المستقطبة تريد، مثلا، تعيين استاذ عميدا لفترة من الزمن قد تصل إلى أربع سنوات، لكن لا يستطيع الأستاذ من جامعة أردنية أن يضمن ذلك! لأن أنظمة الجامعات تجعل أمر تجديد الإجازة سنويا يخضع لأمزجة وظروف الأقسام والإدارات الجامعية. والأساتذة الذين استمروا في العمل بالخارج إما استقالوا من جامعاتهم الأردنية، أو فقدوا وظائفهم. وحتى أولئك الأساتذة الذين ليس عليهم أي التزامات لجامعاتهم الأردنية، أفقدوا وظائفهم، إمعانا في الإيذاء والضرر؟
من المؤسف أن أساتذة متميزين، يتبوأ أحدهم منصبا رفيعا في منظمة دولية أو عربية، أو يعين في منصب حكومي رفيع، وبعد انتهاء الإجازة المقررة، يطلب منه واحد من ثلاثة: إما العودة إلى الجامعة، أو الاستقالة، أو فقدان الوظيفة. فيضطر الأستاذ المتميز للاستقالة إرضاء لتعليمات عقيمة وإجراءات ظاهرها الحرص والمصلحة، وباطنها الجمود وقصر النظر وعدم توخي المصلحة الوطنية، وإن لم يستقل فإنه يفقد الوظيفة.
إن الجامعات العريقة تحرص على بقاء الأساتذة المتميزين على لائحة العاملين لديها، حتى وإن لم يقدموا أي عمل. فيما لدينا تعجز تعليمات وممارسات جامعاتنا عن الاحتفاظ بأساتذتها خارج نطاق العمل الجامعي التقليدي. ومن المؤسف أن نعلم أن حوالي 30 عضو هيئة تدريس فقدوا وظائفهم بسبب فرص عمل في الخارج، وطبيعة التشريعات والإدارة الجامعية.
صحيح أن بعض الجامعات تتساهل أحيانا، لكن هذا وفق شخصية الرئيس؛ فإذا كان حرفيا، يكون التضييق حاصل على الزملاء في كل شيء، لأن الجامعات تحكم بتشريعات وضعت في ضوء فلسفة سد الذرائع المعروفة.
كم هي الخسارة المالية والمعنوية التي تكبدها الأردن جراء مثل هذه السياسات والممارسات في الإدارات الجامعية؟ كان يمكن أن يكون للأساتذة والجامعات الاردنية دور أبرز وأوسع في التعليم في الدول العربية، وكان يمكن أن يكون عمل الأساتذة مصدرا كبيرا للتحويلات، وبلدنا بأمس الحاجة لذلك.
وحيث أن عمل الأردنيين في الخارج وتحويلاتهم هي رافد عظيم للموازنة العامة، وأن الدخل المتأتي من عمل الأساتذة عال نسبيا، ولضمان سلاسة عمل أساتذة الجامعات الأردنيين في الخارج، وأخذهم عقودا طويلة، فإنني أقترح ما يلي:
- في حال حصول أي عضو هيئة تدريس على فرصة عمل، يمنح إجازة (بأي ترتيب خاص في جامعته) لا تقل مدتها عن خمس سنوات.
- تحتسب مدة العمل الأكاديمي لأغراض الترقية، شريطة أن تحمل أبحاثه اسم جامعته الأصلية، إضافة إلى الجامعة التي يعمل بها.
- اعتماد ترقيات الجامعات في دول الخليج العربية، فتعليماتها وإجراءاتها صارمة وجدية، تضاهي إجراءات الترقيات في جامعاتنا الأردنية، وقد تتفوق عليها أحيانا.
- رفع نسبة الإجازات من 20 % إلى 40 %.
- إفساح المجال لطلبة الدراسات العليا لتدريس طلبة مرحلة البكالوريوس، لاكتساب الخبرة وتغطية الحاجة. فالخبرة التدريسية ضرورية كما هي الدراسة والبحث، وفي الجامعات العريقة، خاصة الأميركية منها، يعد طلبة الدراسات العليا مكونا أساسيا من طاقمها الأكاديمي والتدريسي. وفي ذلك إتاحة الفرصة لتشغيل المزيد من الكفاءات الأردنية المحلية، وإعطائها الخبرة العملية التي تفتح الفرص أمامها.
- الاستعانة بالأساتذة الممارسين ميدانيا وتطبيقيا؛ فهم ذوو خبرة حقيقية لا يمتلكها من لم تتح له فرصة العمل الميداني.
نأمل أن تتدخل الحكومة في هذا الشأن الوطني المهم، والذي يحقق مصالح عديدة؛ سواء للأشخاص وأسرهم، أو للوطن بشكل عام وللجامعات خاصة، باكتساب خبرات جديدة. فلا يترك الأمر كما هو عليه الآن؛ لأن تضييع الفرص استنزاف مستمر.

 

التعليق