د. جاسم الشمري

طواحين الأطفال!

تم نشره في الاثنين 3 آب / أغسطس 2015. 11:04 مـساءً

التشابه بين الأطفال وحبوب القمح كبير جداً؛ فكلاهما يتصفان بالضعف، وينشران السعادة والطمأنينة في أرجاء الكون. وكلاهما أيضا سببان من أسباب ديمومة الحياة على كوكبنا. فمن دون الأطفال لا يمكن أن تستمر الحياة، وتغيب عنها بهجتها؛ ومن دون القمح، يفقد الإنسان مصدراً رئيساً للغذاء، وربما لا تستمر حياته من دونه إلا بجهد جهيد.
والطواحين استخدمها الإنسان منذ مئات السنين لطحن الحبوب، إلا أن استخداماتها اليوم قد تغيرت، ومنها:
- طَواحين هوائية: آلَةٌ هوائية يُديرها الهواءُ تستخدم لطحن الحُبوب.
- طواحين مائية: آلَةٌ يُديرها الماءُ لطحن الحبوب.
- طواحين الـ"تي. إن. تي": وهي صواريخ، وبراميل متفجرة، تقذفها الطائرات لحطن البشر، وتهديم البيوت على رؤوس ساكنيها.
هذا يعني أن الطواحين في عصرنا المرعب لم تعد للحبوب فقط، فالأطفال اليوم -وبالذات في شرقنا المتوسط المخيف- صاروا مادة لطواحين القتل والإرهاب العامرة في كل من فلسطين والعراق وسورية، وغيرها من دول عالمنا العربي الذي يراد له أن يبقى مستنقعاً، ودوامة للعنف والإرهاب!
الحيرة التي تغلف روح المتابع للشأن العراقي وفكره، تجعله أحياناً يهرب من سفسطة السياسة ومثالياتها غير الواقعية، نحو المأثور الشعبي؛ لعله يجد فيه بعض التفسيرات والتوضيحات للحالة الشاذة التي يتابعها.
ومن الأمثال الشعبية المعروفة في غالبية أرجاء المعمورة "ضربني وبكى، وسبقني واشتكى". وربما هذا المثل ينطبق على الأوضاع المرعبة في العراق اليوم. إذ إن الحكومة وقواتها الأمنية المدعومة بمليشيات الحشد، ترهب المواطنين، وتقتلهم، وتنهب أموالهم، وتنتهك أعراضهم، وتبتز عوائل المعتقلين منهم، ثم بعد ذلك تشتكي من "الإرهاب"!
متابعة الأحداث الجارية على أرض العراق تجعل الحليم ضائعاً. فحكومة بغداد تدعي أنها تقاتل "الإرهاب"، وأسرعت لدول العالم القريبة والبعيدة لاستجداء النصرة، والشكوى من "الإرهابيين". وقد استنفرت الجهود المدنية والعسكرية لمهمة قتال "الإرهابيين". لكن بمتابعة خسائر "الإرهابيين"، نجد أن غالبية هؤلاء (الإرهابيين) هم من الأطفال والنساء. وهذا لغز لا يمكن تفسيره إلا بأنه استهداف حكومي -مع سبق الإصرار والترصد- بغية طحن المدنيين العزل في محافظة الأنبار بحجة مقاتلة تنظيم "داعش"!
وعمليات الطحن لا تقتصر على أطفال العراق. فقبل أيام، ارتكب المستوطنون الصهاينة في فلسطين جريمة بشعة، حينما صبوا جام غضبهم الأعمى على الطفل الفلسطيني الرضيع علي سعد دوابشة، ذي الثمانية عشر شهراً، في واحدة من أبشع الجرائم الصهيونية التي لا تتوقف. وهذه الجريمة تقع اليوم، وفي كل ساعة في محافظة الأنبار العراقية وغيرها من مدن العراق الصابرة.
أطفال الفلوجة النازحون مع عوائلهم، كانوا ضحية للشمس الحارقة، التي وصلت لمعدلات خطيرة، ذابت أمامها أجسادهم الرقيقة، فأهلكت 52 طفلاً خلال الأسابيع الماضية. ويوم الخميس الماضي، طحنت طائرات حكومة بغداد العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ في قضاء الرطبة في الأنبار، إذ خلفت وراءها أكثر من 45 شخصاً، بينهم 14 طفلاً.
وسبق لمساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري آموس، أن كشفت نهاية العام الماضي بعد "عمليات الطحن" المستمرة في الموصل والأنبار، أن "نصف النازحين والمهجرين هم من الأطفال، وأن الأحداث الأخيرة تسببت بمقتل وتشويه 700 طفل". أما مفوضية حقوق الإنسان العراقية، فذكرت نهاية العام 2014 أن "عدد الأطفال النازحين بلغ أكثر من 300 ألف طفل، توفي منهم ما يزيد على ألف طفل".
وكانت منظمة "اليونيسف" قد أكدت "مقتل 872 طفلاً عراقياً، وإصابة أكثر من 3200 آخرين بجروح، بين العامين 2008 و2010"، فيما ذكرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية العراقية أن "هناك خمسة ملايين و700 ألف يتيم، حتى العام 2013"! فكم هو عدد اليتامى في العراق اليوم؟!
عمليات الطحن الجسدي والنفسي والفكري والاجتماعي والصحي لأطفال العراق -نتيجة استمرار العمليات العسكرية البرية والجوية، وسوء التغذية بسبب انتشار الفقر- ستترك آثارها على مستقبلهم باعتبارهم الحلقة الأضعف، والذين وجدوا أنفسهم في دوامة لها أول، وليس لها آخر!
فهل صار طحن الأطفال من البطولة التي يتباهى بها المجرمون القتلة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حسبنا الله ونعم الوكيل (وسام القريشي)

    الأربعاء 5 آب / أغسطس 2015.
    هل من قوه مضاده تجابه الاجرام والمجرمين والارهابيين من ايران والحشد وداعش ومن لف لفهم اخواني احتراماتي لكم لكن الجرح كبير وينزف والكلام غير كافي
  • »طواحين للحياة وطواحين للموت (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 4 آب / أغسطس 2015.
    .في بداية المقال بين الكاتب أوجه التشابه بين حبة القمح والأطفال هذا التشابه الذي لم يخطر على بال أحد الامن شعر بكارثة مايحدث لأطفال العراق الذين كتب عليهم أن يموتو مبكرا قبل أن يتعلموا كتابة كلمة حياة وقبل أن يحلمو بغد مشرق كما حلمنا سابقا وعندما كبرنا لم نجد أي إشراقة لغدنا الذي انتظرناه طويلا
    اتساءل لماذا أطفالنا وما الذنب الذي اقترفوه لكي يتم طحنهم بشتى أنواع أسلحة الطحن التي يرمون بها من قبل قلوب الحاقدين على الطفولة والحياة!
    ان الفرق مابين طواحين حبة القمح وطواحين الأطفال هو
    الأولى / تطحن حبة القمح كي يتم بها إستمرار الحياة
    الثانية / يتم بها طحن الأطفال للقضاء على الجنس البشري الذي يتم وءده قبل بلوغه سن التمييز
    الايعلم من يقوم بذالك أن الله سبحانه وصفى الأطفال بأنهم زينة الحياة الدنيا!
    لماذا لايريدون لحياتنا أن تستمر بهذه الزينة؟
    إلى متى تستمر هذه الطواحين الا تتعطل يوما بسبب صحوة ضمير من بيده زمام الأمور
    ماذنب الأم التي حملت وولدت وربة كي تنام في ظل من حملت بهم مستقبلا
    إلى متى تستمر طواحين الشر تدور رحاها على أجساد أطفال بلاد الرافدين وأطفال الأمه العربيه المغلوب على أمرها
    نأمل أن تتوقف هذه الطواحين من طحن فلذات اكبادنا الذي لاحول لهم ولاقوة سواء انهم ينتمون لبلدا تكالبة عليه الأعداء وهم كانو الضحية
    دكتور جاسم دائما مواضيع مقالاتك تعكس ماتشعر به من ألم يعتصر فكرك ليخرج ثمرا طيبا ليكون ملاذا لكل من يحمل نفس الوجع
  • »تاريخ الطحن (سعد الحيدري)

    الثلاثاء 4 آب / أغسطس 2015.
    تاريخ عمليات طحن الأطفال في العراق ظهرت في العراق منذ العام 90 في القرن الماضي من خلال الحصار الظالم الذي فرضته أمريكا ومن تحالف معها والذي منعت فيه دخول أبسط مقومات الحياة ومنها حليب الأطفال لتضيف اليه في 91 جريمة استخدام اسلحة ملوثة للبيئة في حربها على العراق والتي أدت الى انتشار التشوهات الخلقية لدى المواليد، ليستمر مسلسل الطحن حتى وصل الى سنة 2003 حين حدث الغزو واحتلال البلد ومانتج عنه من مآسي لها أول وليس لها آخر، ومن ثم ليسلموا البلد الى طغمة خسيسة ليحكموه لا هم لها سوى تمزيق أواصر وحدة البلد ونهب مقدراته ليوصلوه الى هذا الحال الذي نعيشه اليوم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
    جزاك الله خيرا أخي الدكتور
  • »مقال رائع وموفق ان شاء الله (نوفل الماشطي الحسيني)

    الثلاثاء 4 آب / أغسطس 2015.
    هذا هو الدكتور جاسم الشمري العراقي الوطني المخلص لبلده وشعبه والباحث هنا وهناك عن اي مخرج لازمات وطنه والذي اختار وسيلة القلم والكلمة لايصال معانات اهله لعلها تجد صداها لدى المنظمات والهيئات الدولية والاممية المعنية بشؤون وحقوق الانسان لتخفف ولو بالحد الادنى من ويلات والمأسي التي يتعرض لها شعب العراق نتيجة الظروف العصيبة التي يمر بها العراق وشعبه في الوقت الراهن ...في كل صراع عسكري ينتج عنه خسائر بالارواح ولكن ان تكون هذه الخسائر لشريحة مهمة من ثروة البلد كلاطفال فهذه جريمة كبرى وماذكره الكاتب من ارقام ربما تكون اقل بكثير من الحقائق الفعلية ..والاطفال هم جيل االمستقبل المشرق لاي بلد فان محوت هذا الجيل من الوجود او سببت له العاهات النفسية والبدنية فكيف سيعمر هذا البلد مستقبلا فالاطفال هم سبب ديمومة واستمرار الحياة لاي بلد فجيل يذهب وياتي جيل من بعده ليكمل المشوار فان محوت الجيل القادم فمعنى ذلك انك سائر لتمحو هذا البلد في القادم من الايام ...بارك الله بالكاتب ووفقه الله لما فيه الخير للعراق وشعبه
  • »القلم الرمح (د. عبدالكريم الجبوري)

    الثلاثاء 4 آب / أغسطس 2015.
    عودنا