ماجد توبة

الإقليم على مفترق طرق

تم نشره في الأربعاء 5 آب / أغسطس 2015. 11:06 مـساءً

تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق حقيقي، تتجلى مؤشراته وآثاره في سلسلة اللقاءات والحراك السياسي الذي يمتد بين عواصم دولية وإقليمية فاعلة في أزمات المنطقة، وعلى رأسها الأزمتان السورية واليمنية، وسط تسريبات، بل ومواقف معلنة، تؤكد أن الغرف المغلقة في موسكو وواشنطن والرياض والدوحة وأنقرة وطهران، تتلمس طريقا للبحث عن مداخل لحل شبكة أزمات المنطقة.
الألغام والعراقيل في كل زاوية، وما خلفته سنوات خمس عجاف في أوصال المنطقة ودولها عميق، إلى الدرجة التي يصعب معها تفكيك تعقيداته وعداءاته. الاتفاق النووي الإيراني الذي ألقى حجرا كبيرا في مياه المنطقة -غير الراكدة!- قلب معادلات عديدة، وحفز لإطلاق عملية البحث عن حلول سياسية للأزمات المتفجرة التي تصبغ الإقليم باللون الأحمر القاني، فيما العيون، الأميركية والروسية أساسا، تشخص نحو خطر استحكام تنظيم "داعش" وأخواته على الأرض، وتصدر هذه التنظيمات قائمة الأولويات على الأجندة الدولية، إضافة طبعا للمصالح التي تركت في مهب الريح بانتظار حسم عسكري قاطع على الأرض، لم يأت، ولا يبدو أنه يمكن أن يأتي.
صراع النفوذ والمحاور الذي ذهب إلى آخر مداه، في سورية أساسا، والمقامرة الدولية والإقليمية باستخدام كل الأسلحة، وعلى رأسها سلاح العسكرة والجماعات الإرهابية، والانزلاق إلى "تطييف ومذهبة" الصراع لغايات سياسية، آثارها باتت ماثلة اليوم على الأرض، بعد خمس سنوات من الزج بهذه الاسلحة من دون أي رادع.
دمار شبه شامل لسورية والعراق واليمن وليبيا، وامتداد يد الإرهاب إلى الخليج ومصر وتونس. ملايين اللاجئين والنازحين، وأزمات لا تحصى في دول جوار الساحات الملتهبة، وجماعات منغلقة وإرهابية تتمدد وتستحكم في الأرض. أما الأسوأ الماثل اليوم على الأرض، فهو غياب أي أفق أو أمل بوقف هذا الانزلاق، وفق هذه المعادلة المعتمدة منذ خمس سنوات، إلى مرحلة اللاعودة، وإلى قلب الجحيم!
خيارات المرحلة المقبلة باتت واضحة لكل ذي بصيرة، هما خياران لا ثالث لهما، وفق كل المعطيات على الأرض، فإما البحث بجدية وإخلاص عن توافقات إقليمية وعربية، وعن حلول سياسية لأزمات المنطقة، والنزول، من قبل الجميع عن الشجرة، والتأسيس لخروج آمن، وبأقل الخسائر الممكنة، من حالة الدمار والفوضى وسيل الدماء والتهجير والمعاناة التي تغرقنا جميعا، وإما الخيار الثاني، وهو المضي قدما في الأجندات والأدوات ذاتها في الصراع، والتمسك بأعلى الشجرة، ما يفتح الباب واسعا لانزلاق الصراع إلى مديات لا يمكن ضبطها أو التحكم بها من قبل كل اللاعبين الدوليين والإقليميين، والغرق في دوامة لن يجدي معها أي حسم عسكري، حتى لو سقط النظام السوري أو احتلت دمشق من قبل الجيش الأميركي أو الإيراني!
هذا التحليل ليس من بنات أفكار الكاتب، بل هو اليوم قراءة وتقدير موقف، مطروح على مائدة الفاعلين الدوليين والإقليميين، وهو ما يشكل خلفية المشهد للتحرك الدبلوماسي والسياسي، والاستخباراتي أيضا، الذي تشهده عواصم عدة في العالم والإقليم، ويتصدره وزيرا الخارجية الروسي والأميركي.
لن تكون الطريق معبدة بالورود أمام الخيار الأول، فما حفر خلال نصف عقد مضى من أحقاد، وما سال من دماء وبث من كراهية، وصنع على الأرض، من كيانات مسلحة ومنغلقة، يصعب واقعيا وعمليا تجاوزه ببساطة، ودون تنازلات وتفاصيل يكمن في كل واحد منها ألف شيطان!

التعليق