"داعش" وأميركا وإيران.. وتوظيف الإسلام السُني ضد الإسلام الشيعي (2/ 3)

تم نشره في الاثنين 10 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً

هل نحن أمام فتوى شرعية أميركية جديدة لتنظيم "داعش"، لإحداث شرخ عمودي بين سُنّة وشيعة؟
إن أميركا تدرك جيداً هذا الذي يحدث أمامها؛ من استقطاب "داعش" للكثير الكثير من أبناء الدول العربية والإسلامية. وهي تعلم جيداً أن هؤلاء المهرولين إلى التنظيم هم إما من الفاقدين الأمل في أوطانهم لضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة للإنسان، فلجأوا إلى "داعش" لظنهم أنهم بذلك يلجأون إلى الله تعالى لإنصافهم، وإما هم من المهووسين بفكر الحاكمية والجهادية، الذين يكفّرون كل من لا يؤمن بنهجهم، ويرون أن المجتمع في كل دولة عربية هو مجتمع جاهلي، وأن الطريق لإصلاحه هو البدء كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما انطلق بالدعوة إلى الإسلام في المجتمع الجاهلي، وأن الإسلام هو ما يطرحون وليس ما هو سائد في المجتمعات الحاضرة!
وبدلاً من أن تأخذ أميركا بيد الشعوب المقهورة في مواجهة استبداد حكامها، الذين حولوا شعوبهم إلى مواشٍ بشرية لخدمتهم، ناصرت أميركا حكام الجور والاستبداد، ليهاجر الناس إلى "داعش" كملاذ للمقهورين والمهووسين. ثم بعد ذلك تعلن أميركا أن التخلص من التنظيم يحتاج ما بين 10-20 سنة، مما يعني تبرير تزايد قبضة الحكام الأمنية والاستبدادية على الشعوب العربية، تحت ذريعة الوقاية من تغلغل "داعش" فيها.
وفوق ما سبق، فإنه يبدو أن السنوات العشر أو العشرين التي تقدرها أميركا للقضاء على التنظيم، تشكل عند أميركا الوقت الذي تحتاجه عملية إيصال الشرخ العمودي بين السُنة والشيعة إلى منتهاه، عن طريق تغذية صدامات وصراعات وحروب بين اتباع المذهبين، تنتهي بتمزيق أكبر للوطن العربي، وإقامة دول طوائف ومذاهب وأعراق، ليزداد ضعف الأمة ضعفاً على ضعفها الحالي.
والحقيقة أن نغمة الصراع بين المذهبين السُني والشيعي بدأت قبل ظهور "داعش"، وانتشر صداها داخل مجتمعات العديد من الدول العربية التي ابتلعت الطعم الأميركي، رغم خطورة هذه النغمة وعدم استنادها إلى أي أساس من عقيدتنا. وأكتفي هنا باقتباس ما أفتى به كبار العلماء، وعلى رأسهم العالم الأشهر الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر خلال الفترة من 1958-1963.
فقد جاءت فتوى الشيخ شلتوت رداً على سؤال نصه: "إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة. فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الاثني عشرية مثلاً؟".
فكان جواب الشيخ شلتوت كالتالي: "إن الاسلام لا يوجب على أحد اتباع مذهب معين، بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، ولا حرج عليه في شيء. إن مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الإمامية الإثني عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السُنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من التعصب بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته تابعة لمذهب أو مقتصرة على مذهب، فالكل مجتهدون عند الله يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات" (أنظر موقع "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" – الإمام الشيخ محمود شلتوت).
كما أفتى الشيخ الإمام العلامة نورالدين علي جمعة، مفتي الديار المصرية العام 2008، بأنه: "يجوز التعبد بالمذاهب الشيعية ولا حرج. وقد أفتى بهذا شيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت. فالأمة الإسلامية جسد واحد لا فرق فيه بين سُني وشيعي، طالما أن الجميع يصلي صلاة واحدة ويتجه لقبلة واحدة". (انظر الفتوى على موقع "شبكة الدفاع عن السنة").
وهذا ما أكده الإمام أحمد الطيب، شيخ جامع الأزهر، في دروسه الفقهية خلال رمضان العام 2015.
والمحزن أنه بعد أن استقرت نغمة التشكيك في إسلام الشيعة، ظهر تنظيم "داعش" ليبشر بوصاية على أهل السُنة. وفي أعقاب هذا الظهور، أصبح التنظيم يستخدم وصايته فيمارس قتل الشيعة باسم المذهب السُني، ويرفع يافطات وأوصاف يطلقها على أتباع المذهب الشيعي تُخرجهم من ملّة المسلمين، ليرد رجل عُرف بأنه موزون، مثل عمار الحكيم، الذي ورث عن والده رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى العراقي، وحفيد آية الله العظمى محسن الحكيم، وصهر عمه آية الله العظمى محمد باقر الحكيم، بالقول "سأكون على رأس المتطوعين للدفاع عن الوطن والمواطن العراقي ضد تنظيم "داعش"، لأنه لا مكان لهذا التنظيم على أرض العراق".
ولم تتوقف الحال عند هذا الحد، فقد أصبح كثير من أنظمة "سايكس-بيكو" تتكئ على الإسلام السُني، وتطلق أبواق فقهاء سلاطينها ووسائل إعلامها أوصافاً غير لائقة أيضاً بحق الشيعة. ومن يدقق في أوضاع المنطقة الآن، يجد أن الحرص المدعى به لتلك الأنظمة على مذهب السنة لتواجه به ما تسميه "المد الشيعي لإيران"، فاقد الأساس، وأنساها فلسطين، حتى أصبحت اسرائيل أقرب إليها من إيران، وخاصة بعد توقيع اتفاقية الملف النووي في فيينا بين أميركا ومن يحالفها من دول أوروبا، من جهة، وبين إيران من جهة ثانية.
إن أي دولة في عالم اليوم من حقها أن تبحث لنفسها عن دور ومكان سياسي في إقليمها، وإقامة التحالفات التي تخدم مصالحها، وهذا هو الحال بالنسبة لتركيا. ولا يجوز للدول العربية العاجزة عن إيجاد دور ومكان لها، أن تنكر ذلك على إيران السياسة، وتحوّل أو تقبل بتحويل هذا الإنكار إلى صراع مذهبي.
لقد كان من يفاوض العالم الغربي حول الموضوع النووي، هو إيران السياسة، وليس إيران العقيدة الجعفرية الشيعية، فالسياسة تحتمل الكر والفر وتقديم التنازلات، لكن العقيدة لا تحتمل ذلك. فهل دول العالم العربي تعادي إيران السياسة أم إيران العقيدة الشيعية؟ من حق أي دولة أن تختلف سياسياً مع إيران، وهذا الخلاف السياسي لا يجوز أن يلبس ثوب العقيدة. وحتى القول بأن إيران تعمل على نشر المذهب الشيعي في الدول السُنية العربية، فإن الذي يمكن أن يقوم بذلك هو الإرادة السياسية للدولة الإيرانية، وبالتالي يصبح الخلاف سياسياً بامتياز، ولا مجال فيه للطعن بالعقيدة. وللسياسة هنا حلولها وأدواتها التي لا شأن للعقيدة بها.
أما تنظيم "داعش"، فإن ما يطرحه يتعلق بعقيدة أهل السنة كما يفهمها، وبهذا الطرح يواجه المذهب الشيعي ويتهم أتباعه بالكفر، ومن ثم يحلل قتلهم بطرائقه الوحشية. لكن هذا التكفير عند "داعش" لا يقتصر على الشيعة، وإنما يمتد إلى من يخالف التنظيم بالرأي من أتباع المذهب السني أيضاً، فيحلل قتلهم بأبشع الوسائل.
إنه لغريب حقاً هذا الذي نراه من وحدة الطرح والخصومة مع إيران، عند سلطات الوطن العربي و"داعش" كفريقين، رغم الدماء والحرب الدائرة بين هذين الفريقين. ولا أظن أن عاقلاً يستطيع تبرير ذلك، اللهم إلا أميركا التي تغادرها القيم والمبادئ، وتبارك الدماء، ما دام ذلك يحقق مصالحها في تفتيت المفتت في دول الوطن العربي.
وفي الوقت الذي هيمنت فيه أميركا على الدول العربية (وأصبح اسمها في أميركا دول أهل السنة)، إلا أن أميركا لم تستطع مدّ نفوذها إلى دولة إيران ذات المذهب الشيعي، ومصادرة قرارها، وجعلها تابعة لها. فقد صمدت إيران، واستمرت في تطوير مفاعلها، معلنة أنها لا تهدف إلى تطوير سلاح نووي، وتأكيدها لذلك مرات ومرات، وأنها تهدف إلى الاستخدام السلمي للمفاعل النووي. وأمام عدم تصديق إيران، حشدت أميركا وراءها دول العالم في مقاطعة وحرب اقتصادية ضدها، ولم تركع، وقاومت سنين عدداً. حتى استجابت أميركا ومن معها، ووقعت اتفاقية فيينا مع إيران وصادقت عليها الأمم المتحدة في تموز (يوليو) 2015، وانفتحت الأبواب الدولية أمام إيران، لاسترداد المئات من ملياراتها المجمدة في بنوك أميركا ومن يتبعها، وكسب مليارات أخرى من بيع بترولها، لتنطلق كقوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب. وقد حقق ذلك جميعه، إيران السياسة وليس إيران المذهب الشيعي.
ثم لننظر إلى الدولة الإيرانية قبل الاتفاق وبعده، ألم تحقق نظاماً ديمقراطياً شورياً، بانتخابات نيابية ورئاسية حرة ونزيهة تفتقدها دولنا العربية السُنية؟ ألم توظف الكفاءات الإيرانية من أهل العلم والمعرفة من دون تفرقة بين موال ومعارض، من أجل النهوض بوطنهم، خلافاً لما تنتهجه دولنا؟ ألم تستخدم إمكاناتها في إقامة مؤسسات اقتصادية وصناعية وعسكرية، عجزت دول أهل السُنة عن إقامة مثيل لها؟ ثم إذا كانت دولنا تخشى من تطوير سلاح نووي إيراني، وعملت على منعه، متحدة، فلماذا لم تعلن غضبتها المضرية وتفعل ذلك مع مئات الرؤوس النووية التي طورها الكيان الصهيوني، الذي هدد يوماً باستخدامها لتفجير السد العالي في مصر؟

التعليق