"داعش" وأميركا وإيران.. وتوظيف الإسلام السُني ضد الإسلام الشيعي (3/ 3)

تم نشره في الاثنين 10 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً

1. الرئيس أوباما ينتقد قادة "أهل السنة" ثم يعدهم بالحماية من إيران الشيعية
في مقابلته المطوّلة مع توماس فريدمان، كاتب العمود الأشهر في أميركا، والمنشورة في صحيفة "نيويورك تايمز" يوم 15 /7 /2015، يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما، "إن إيران دولة كبيرة، وذات حضارة عظيمة، واختيارنا الطريق السلمية لإعاقة صناعتها سلاحا نوويا، أكثر فائدة وجدوى لأميركا وحلفائها من استخدام السلاح ضدها أو استمرار الضغط عليها بالمقاطعة الاقتصادية. بالتأكيد لقد تضررت إيران من المقاطعة الاقتصادية، لكن أصدقاءنا في الهند وكوريا الجنوبية واليابان والصين وغيرها من الدول التي كانت تستورد البترول الإيراني، كانت خسائرهم أكبر، إذ كانوا يخسرون المليارات سنوياً وهم يستوردون بترولاً بديلاً للبترول الإيراني، أما نحن في أميركا فلم نتضرر، لعدم حاجتنا للبترول من إيران، فإلى متى يستطيع أصدقاؤنا في تلك الدول تحمل الخسارة بالمليارات بسبب المقاطعة".
تم يتابع الرئيس أوباما: "إن على أصدقائنا في إسرائيل أن يقدروا حجم تلك الخسائر، كما أن عليهم أن لا يخشوا إيران، فهم يعلمون كم قدمت أميركا لهم، وأننا بنينا لهم القبة الحديدية لتحميهم من الصواريخ وتشعرهم بالأمان. كما يعلمون أن إدارتي قدمت لهم أكثر مما قدمته أي إدارة سبقتها".
ويضيف: "أما أصدقاؤنا في دول المذهب السني، فإن شكوى بعضهم من التدخل الإيراني، لا تقوم على أساس. فالمخابرات الأميركية لم تتوصل إلى ما يقنع بأن لدى إيران استراتيجية لسيطرة الحوثيين على صنعاء! وسبب شكوى هؤلاء الأصدقاء هو ضعفهم"! ويتابع الرئيس الأميركي: "لقد أعلمني القادة العرب الذين قابلتهم في كامب ديفيد، في أعقاب المفاوضات التي قادت إلى اتفاق بشأن الملف النووي مع إيران، بأنهم أمة عربية لا تفرق بين سنة وشيعة في الحقوق والواجبات".
لكن أوباما، الذي أعلمهم أن "الربيع العربي" أصبح الآن شتاء عربيا، لم يسألهم: ما دمتم أمة واحدة، فلماذا لا تكوّنوا دولة لأمتكم توحدكم مثل سائر أمم الأرض، وتنهوا الصراعات بينكم؟ وإنما أطلق عليهم دول المذهب السني عشر مرات، وحلّ هذا الإصلاح الآن مكان اصطلاحات الدول العربية، وعروبة وقومية عربية. وقال لهم "إن المشكلة تكمن في داخل دولكم، وعليكم أن لا تجعلوا من إيران سبباً لكل مشكلة تواجهونها. إن نسبة ضخمة من المشاركين في التنظيمات الجهادية السنية هم من مواطني دول الخليج. أوقفوا النظر إلى إيران بسوء نيّة، واعملوا على تقوية مجتمعاتكم وتنمية اقتصاداتكم وبناء أوطانكم، وتأكدوا أن إيران لن تهاجمكم أو تعتدي عليكم، لأنها تعلم أننا نقف معكم، وتدرك أنها إن اعتدت عليكم، فسوف نوجه لها ضربة خاطفة صاعقة تدمر جيشها وترسانة أسلحتها"!
وبالطبع، فإنه في مقابل هذه الحماية التي يطمئن بها رئيس أميركا من كان يخاطبهم من القادة العرب، يكون عليهم الطاعة للسيد الأميركي.
وعلى هذا، فإن مشكلة الدول العربية عند أميركا ليست إيران، وإنما تكمن في داخل دول الإسلام السُني، وعلاقة السلطة في هذه الدول بشعبها.

2. مراكز البحث والفكر في أميركا تبرر وحشية "داعش"
مما يدعو للاستغراب حقاً، أن مراكز الأبحاث التي تعمل على توجيه صانع القرار الأميركي، تضع تبريراً للوسائل الوحشية لتنظيم "داعش"، وتنصح الدولة الأميركية باحتواء دولة "داعش، إن صمدت على الأرض فترة أثبتت إمكانية بقائها.
وهنا نجد أن البروفيسور ستيفن والت (Stephen M. Walt) أستاذ الشؤون الدولية في جامعة هارفارد، وأحد المؤلفيْن لكتاب "أثر اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأميركية"، نشر مقالة في مجلة "السياسة الخارجية" (Foreign Policy)، في 10 /6 /2015، بعنوان "ماذا على أميركا أن تفعل إذا فازت الدولة الإسلامية"؛ يقول فيه إن "الدولة الإسلامية" تحتل الآن مناطق شاسعة غرب العراق وشرق سورية، تمارس عليها سلطات الدولة. وقد تنجح هذه الدولة وتستمر، وقد تزول. لكن علينا أن نضع الآن استراتيجية لكيفية التعامل معها في حال استمرارها. أما بالنسبة للتصرفات الوحشية التي تقوم بها، فهي ليست غريبة على تاريخ العالم الغربي. فالأجداد أقاموا المملكة البريطانية المتحدة عن طريق العنف والوحشية والقهر والفتح، وأبناء ويلز واسكتلندا يعرفون ذلك. ومن نعتبرهم أبطال الحرية في أميركا، ذبحوا واغتصبوا أبناء أميركا الأصليين ونشروا المجاعات بينهم، وكان جمعهم لفروات رؤوس أعدائهم رمزاً لشجاعتهم. وإقامة البلشفيك لدولة الاتحاد السوفييتي وإقامة الجمهورية الشعبية الصينية، تم فرضهما بالقوة والعنف، والأساليب البشعة، وليس عن طريق الحوار الهادئ والإقناع.
ويتابع والت القول: ثم إن أهل السنة بقيادة ابن سعود، لم يسلكوا طريق الحوار والاقناع الهادئ في إقامة الدولة السعودية، كما هو سائد في الوقت الحاضر.
ويضيف: يبدو أن الأجيال الحاضرة نسيت تاريخ الثورات التي تنشئ دولاً، وما يجري فيها من تصرفات وحشية لا إنسانية. لكن هذه الدول عندما تنشأ وتصمد على الأرض تفرض وجودها، ثم تعترف بها الدول الأخرى. فالاتحاد السوفييتي الذي أنشأته الثورة البلشفية اللينينية العام 1917، اضطر أميركا للاعتراف بدولته العام 1933، وجمهورية الصين الشعبية اضطرت أميركا للاعتراف بها بعد قيامها بـ30 سنة. وهذه الحال سوف تنطبق على "داعش" إن صمدت، وأهل السنة الآن الذين ليس لهم أي بديل آخر، يشعرون بأمان من الشيعة ونظام الأسد في "الدولة الإسلامية"، كما أن لديهم الإحساس بالعدل وعدم وجود فساد، ولا أظن أن أحداً يمكن أن يؤكد أن هذه الدولة الإسلامية لن تكون يوماً عضواً شرعياً في الأمم المتحدة.
ولذلك، فإن بروفيسور والت يقترح وضع استراتيجية أميركية منذ الآن لاحتواء هذه الدولة السنية الجديدة، تحوطاً لإمكانية بقائها واستمرارها!
وما ذهب إليه والت، هو ما يراه وليام ماكينتز (William McCants)؛ مدير مشروع العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي، في معهد بروكيغنز في واشنطن. إذ قال: لقد نسينا أن الكثير من الدول نشأت من خلال الرعب، والقياس على ما جرى في التاريخ أمر صحيح. وأضاف في حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز"، بتاريخ 21 /7 /2015، إن توجهه هذا هو موضوع كتابه بعنوان "الدولة الإسلامية المرعبة" (The ISIS Apocalypse) الذي سيظهر في أيلول (سبتمبر) 2015.
أما نائب مدير المخابرات المركزية الأميركية (McClaughlin) الذي ملأت تصريحاته الآفاق، حول اختفاء دولة العراق ودولة سورية، فيقول: إن ملوك بريطانيا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر مارسوا وحشية أكثر من "داعش" لإقامة مملكتهم التي نراها الآن. فلم يكونوا يكتفون بقطع الرقاب، وإنما كانت عندهم وسيلة أخرى لا مثيل لوحشيتها، إذ كانوا يبقرون بطون الأحياء من خصومهم، ويستلّون أمعاءهم وأكبادهم وأحشاءهم. وفي التاريخ نماذج كثيرة من دول قامت على العنف الوحشي، وعلينا أن نتوقع القتل والتعذيب والوحشية في الثورات التي تبني دولاً (نيويورك تايمز، 21 /7 /2015).
ومما يلفت الانتباه في حديث الرئيس أوباما ومراكز الفكر والبحث، هذه النغمة الجديدة في استخدام الإسلام السُني مقابل الإسلام الشيعي، واختفاء كلمات عرب وعروبة وقومية عربية من القاموس الأميركي المستجد، ومن ثم إلباس المفاهيم المذهبية أثواباً سياسية. وفوق هذا، فإن كتابات أهل الفكر في أميركا توحي بالتبرير لسلوكيات تنظيم "داعش" الوحشية ضد من ينكرون عليه إقامة دولته الإسلامية، باعتبار أن الوسائل الوحشية عندهم مقبولة في مراحل إنشاء الدول.
3. هل سيكون القادم أعظم؟
في هذا المجال، فإني أكتفي بذكر أمرين لكل منهما دلالته وأثره.
الأمر الأول: وفقاً لما نشرته صحيفة "التلغراف" الإنجليزية في عددها يوم 2 /7 /2015، فقد رفضت أميركا تزويد أكراد العراق بأسلحة ثقيلة ضد دولة "داعش". وفي ظني أن هذا الخبر الذي ضخمته الآلة الإعلامية الأميركية، لا يتفق مع ما حدث بعد ثلاثة أسابيع فقط، عندما أعلن الأكراد الذين يشكلون 20 % من سكان تركيا، إنهاء الهدنة معها لينفتح باب الصراع بين القوتين الكردية والتركية. ومن ناحية أخرى، نجد أن قيام تنظيم "داعش" بتفجير المركز الثقافي في مدينة سوروج داخل تركيا وقتل 32 شخصاً، دفع السلطان أردوغان إلى إعلان الحرب على التنظيم ودولته، بعد أن كانوا حلفاء وشركاء بمعرفة أميركا، في قتل أبناء سورية. وهذا أمر يشي بإدخال الفوضى الأميركية الخلاقة إلى تركيا، ويجعل ما نشرته "التلغراف" وغيرها وسيلة لتغطية المستور الأميركي.
الأمر الثاني: وفقا للخرائط المنشورة في الصحف والمجلات الأميركية للأراضي التي يسيطر عليها "داعش" في مناطق غرب العراق وشرق سورية، وتسمى مناطق السنة، فإنه لم يعد هناك أي منفذ بري يربط العراق الشيعي الذي يُحكم من بغداد، وسورية التي يحكمها النظام السوري من دمشق. ونتساءل هنا: إذا استقرت دولة "داعش" على هذه الأراضي لعشرة أو عشرين عاماً، كما تتوقع أميركا، ألا يعني هذا قطع الشرايين الأرضية التي يعبر منها تسليح إيران لدمشق ومن ثم حزب الله؟ وبالتبعية بعد ذلك قطع الشرايين الجوية التي يمكن أن تعبر منها الطائرات، فيتحقق المطلوب الأميركي والاسرائيلي كخطوة أولى من إعادة رسم مخلفات "سايكس-بيكو"؟
لم يكن بمقدور الرئيس الأميركي في مقابلته مع توماس فريدمان أن يتحدث عن أي خطط أو استراتيجيات مثل أهل الفكر لمواجهة تنظيم "داعش" عند استقراره في دولته، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى كشف مستور الرئيس وهو ينفذ الفوضى الخلاقة.
فلتهنأ أميركا وإسرائيل بنتائج التفتيت وبتنظيم "داعش"، ولتفرح شركات إنتاج السلاح والطيران الحربي في العالم الغربي بمليارات البترول وما تنتجه الأرض والسواعد العربية، التي أصبحت تتدفق على تلك الشركات للشراء على حساب جوع المواطن العربي ومعاناته.

4. هذا الصراع لا شأن له بدين المسلمين
في المحصلة أقول، لقد هان الإسلام على من اعتلوا كراسي أولي أمر المسلمين، ممن تاجروا به، واستثمروه لبقاء سلطانهم واستمراره، لا يهمهم في ذلك أن تصبح أميركا وصية عليه، تُحرك أتباعه كما تريد، وتُدخل إلى عقيدتهم ما تريد. وما نراه من صراع في هذه المرحلة، يدخل في باب استثمار الدين، كما تم استثماره في مرحلة الجهاد في أفغانستان عندما خلقت أميركا "القاعدة" و"طالبان".
إنه صراع لا شأن له بالاسلام ولا دين المسلمين، ولكن تم إلباس هذا الصراع ثوباً إسلامياً من صناعة أميركا، فلعل الفوضى التي نادت بها، تخلق دولاً وكيانات على المقاس الذي تريد، ما دامت أولوية قادة هي كراسي الحكم، وبعد ذلك ليذهب من يشغل باله حال الأمة إلى الجحيم!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »امريكا والأغبياء (محمد ناصف امون)

    الخميس 20 آب / أغسطس 2015.
    نحن شعب لانعرف العدو من الصديق *** امريكا تعمل ليل نهار من اجل اعادة تقسيم المنطقة العربية بمعرفة ابنائها باسم الدين ونحن غافلون ابناء المنطقة نتكلم عن المرأة ولباسها وحجابها ونقابها ونكاح الجهاد ونكاح الوداع ***** الا تخجلون
  • »حقائق تاريخية وحِكَم وعبرة (صبحي داود)

    الثلاثاء 11 آب / أغسطس 2015.
    والله أنك وفيَتَ وكفيت ، وحتى دولة اسرائيل التي تتبجح بالديمقراطية وهي مُغتصبة ودولة احتلال بفرض الأمر الواقع ، قامت بوسائل اجرامية ووحشية فلا ننسى المنظمات الاجرامية مثل شتيرن والهجانا العنصريتين التي ساهاماتا في انشاء ما يسمى دولة اسرائيل.
  • »تناقض (الو امين)

    الثلاثاء 11 آب / أغسطس 2015.
    الولايات المتحدة الامريكية كانت هي النقيض الاول لمفهوم القومية ثم ظهر الاتحاد السوفييتي في بدايات القرن الفارط ثم لحقتها الصين الشعبية ثم ظهرتالمعاهدة الاوروبية للتخفيف من حدة النظرة القومية في اوروباعلى اساس الفكر الراس مالي