علاء الدين أبو زينة

يجب تغيير المنهجية والمناهج معا..!

تم نشره في الخميس 13 آب / أغسطس 2015. 12:05 صباحاً

ثمة علاقة حتمية بالغة الأهمية بين "المنهجية" و"المناهج"، والتي تحدد محصلتها ملامح حياة المجتمع المعني وقابليته للتكيف. وهناك بعض الخلط في التعبيرات الاصطلاحية العربية عن هذين المفهومين بسبب الاشتراك في الجذر اللغوي، لكن هناك تمييز واضح بينهما في الإنجليزية، على سبيل المثال.
يُعرفون المنهجية، "Methodology"، بأنها نظام من المبادئ والقواعد التي يمكن منها اشتقاق أساليب وإجراءات مخصوصة لتفسير وحل المشكلات المختلفة في نطاق حقل معين. وعلى عكس نظام الحلول الحسابية، فإن المنهجية ليست صيغة، وإنما مجموعة من الممارسات.
أما المنهاج، "Curriculum"، فمصطلح يشير إلى الدروس والمحتوى الأكاديمي الذي يتم تعليمه في المدرسة أو في دورة أو برنامج معين، وبالتالي المعرفة والمهارات التي يُتوقع أن يتعلمها الطلبة، والتي تشمل معايير التعليم وأهداف التعلم التي يجب أن يفوا بها.
بهذا المعنى، تبدو منهجية صانع القرار هي المتحكمة في طبيعة المناهج بداية، لكن الأمرين متعالقان مشتبكان في علاقة جدلية. فإذا كان "نظام المبادئ والقواعد" الذي يستمد منه صاحب القرار إجراءاته سكونياً وضيقاً، فإن "المناهج" التي يقررها ستكون انعكاساً لمنظومته وطباقاً لها. وبذلك، يعيد المنهاج السكوني إنتاج نفس المنهجية السكونية في دارسيه، بما تنطوي عليه من عُقم في أساليب وإجراءات تفسير المشكلات وحلها.
في مسألة الإصلاح التعليمي/ التربوي -كجزء مركزي من الإصلاح في الأردن- يلاحظ التهربٌ المستمر من الاستجابة لدعوات مراجعة المناهج المدرسية والجامعية. ويعكس هذا الخوف غالباً رسوخ منهجية غير مبدعة تخاف من التجديد، أو غير قادرة عليه، في العقل الاجتماعي والإداري على حد سواء. وإذا كنا نتحدث عن اعتماد مناهجنا الدراسية منهجية التلقين والاستظهار، وتدوير نفس البضاعة بلا زيادة أو نقصان، فإن العقليات التي تعلمت بهذه الطريقة وتولت العمل والإدارة، ستكون ماهرة فقط في الحفظ والتكرار، بما يضع البلد كله، بشخصيته وحركته، في دائرة مغلقة على تكوين جامد، قابل فقط للاهتراء واستهلاك الذات.
في هذه الأوقات الحرجة التي تُطرح فيها كل الأسئلة على الطاولة من أجل البقاء، لا أقل، لا بد من الاجتراء على مخاطبة الاستراتيجيات، وليس التشاغل بالتكتيكات. وسيحدث ذلك حين نُحاكم المنهجية التي تُحَل بها مشكلاتنا من الأساس. فإذا أردنا بلداً دينامياً، بعيداً عن التطرف والجمود الفكري والعملي، فإن التغيير يجب أن يبدأ من الوسيلة التي تصنع العقل والسلوك الاجتماعيين، بل والسلوك السياسي والإداري، فهوية البلد كله -تقدماً أو تخلفاً. تلك الوسيلة هي المناهج التي يُفترض بالطلبة -أي كل المواطنين والمسؤولين- أن يفوا بأهدافها ومعاييرها.
ليس المطلوب أن تستمر المناهج في حشو أذهان الطلبة بمعلومات ينسونها في اليوم أو الشهر التالي، وإنما أن تدرِّب العقل على معالجة المعلومات بالتفكيك والتركيب، لإنتاج معرفة جديدة. ويجب أن تكون كيفيات هذا العقل قائمة على الشك والمحاكمة، والقدرة على تحريك الثوابت، واستيعاب التعدد والانفتاح على مختلف الهويات والتأويلات، والتكيف مع المتغيرات وابتكار الحلول الجديدة، والتحرر من الخوف من الاقتراح. وفي النهاية، سيتكون من ذلك عقل وطني صاحب منهجية مرنة، متحرر من التعصب وطبع الاستبداد في الرأي والمسلك.
الادعاء بأن تطوير المناهج وتخليصها من سلطة المسلمات يفضي إلى التحلل الأخلاقي والفوضى، هو ادعاء متهافت. فالعقل المتعصب غير المرن هو الوصفة للعنف الاجتماعي والتعالي وتضييق الانتماء ورداءة الأداء في العمل، فخراب الاقتصاد، وكل ما يصنع المشكلات والفوضى. والأحرى أن يتبنى العقل الدينامي منظومة للأخلاق والسلوك والمعتقد، وإنما قائمة على أسس نقدية، ونتيجة إجراء وليس صيغة، بما يجعلها أكثر عقلانية. ولن يكون متوقعاً من فرد تعلَّم محاكمة الأشياء منطقياً أن لا يحاكم سلوكياته الخاصة، وأن يمارس العربدة في الشارع أو يميز ضد مواطنيه، أو يتعامل بمنطق العنف وضد منهجية الحوار التي تمرّن عليها، أو يختار الفساد على النزاهة في مراكز القرار.
إذا كانت صلاحية الأشياء تختبر بالتجريب والصواب والخطأ، فإن واقعنا يكشف عن خلل في المنهجية والمناهج، كما يبين الركود العام وزحف اليأس وسوية الأداء الاجتماعي. وبذلك، لن تنفع منهجية إدارة الأزمة بدلاً من حلها. وسوف تحدد كيفية التعامل مع "المنهجية" و"المناهج" معاً ماهية الأردن ومستقبله في السنوات والعقود المقبلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »The fish stinks from the head (علاء المجالي)

    الخميس 13 آب / أغسطس 2015.
    يقول المثل الانجليزي " the fish stinks from the head" لذلك و قبل تغيير المنهجية و المنهاج نحتاج الى تغيير المسؤولين عن المنهجية و تصميم المنهاج. لان عقلية و ثقافة و قيم المسؤولين عن هذا الموضوع الان لن تسمح عقولهم و ثقافتهم و قيمهم بفهم ما تدعو اليه في هذا المقال. انا مؤمن جدا ان التغيير يبدا من هنا و ان التغيير قادم.
  • »شكرا يا كاتبنا الكريم مقالك متميز حقا (نجوى)

    الخميس 13 آب / أغسطس 2015.
    يا الله ما أجمل هذا المقال لو يطبق على أرض الواقع