إبراهيم غرايبة

أرجوك اعتن بأمي

تم نشره في الأحد 23 آب / أغسطس 2015. 12:07 صباحاً

حظيت رواية ارجوك اعتن بأمي، تأليف كيونغ سوك شين (روائية من كوريا الجنوبية، ترجمها الى الانجليزية: شاي يونغ كيم، ثم ترجمتها الى العربية أفنان محمد سعد الدين) بإقبال كبير، وبيع منها في السنة الأولى لصدورها (2011) مليون نسخة وبيع منها في 2012 مليونا نسخة، ووزع منها 10 آلاف نسخة في طبعة خاصة للاحتفال بالرواية التي حصلت على جائزة مان الآسيوية وهي أول امرأة كورية تحصل على هذه الجائزة.
القصة تروى على لسان الابنة تشي هون وتبدأ احداثها بفقدان الوالدة بارك سونيو واجتماع العائلة المكونة من الاب والأبناء للبحث عن الوالدة المفقودة... كانت العائلة تعيش في قرية زراعية، ولكن الأبناء تعلموا في المدارس وذهبوا إلى العاصمة، وكبر الوالدان وبقيا وحدهما في القرية، وفي أثناء انتقالهما لزيارة بيت أحد أبنائهما ضاعت بارك سونيو في محطة القطار. وتبدأ التداعيات والذكريات منذ تلك اللحظة، فتتذكر تشي هون الحياة في القرية وكيف تعلمت مع إخوانها في المدرسة. وتتذكر كيف كان يعلمها أخوها القراءة والكتابة وأن الكبار كانوا يبذلون جهدا ويلجأون إلى الضرب احيانا لمنعها من استخدام يدها اليسرى، ذهبت تشي هون إلى المدرسة وباعت أمها لأجل ذلك خاتمها الذي لم تكن تملك غيره.
بدأت بارك سونيو وقد تجاوزت السبعين تفقد القدرة على التركيز، عندما زارتها تشي هون فجأة في القرية وجدتها وحيدة شبه مغمى عليها، تعاني من صداع شديد، ووجدتها في الصباح عندما استيقظت نائمة خارج البيت بدون غطاء، فغطتها وعندما استيقظت بدأتا تحضران الإفطار معا، ولكنها كانت تعد الطعام بطريقة مخيفة، تقطع اللفت على نحو يهدد اصبعها، وطهت الاخطبوط من غير تنظيفه، وتناولته بيدها، وكانت في بعض الاحيان توقع اللقمة على الأرض. قالت لها تشي هون يجب أن تذهبي معي لزيارة المستشفى ومراجعة الطبيب، ولكنها رفضت وقالت إنها ستذهب الى الطبيب الصيني وتأخذ علاجا طبيعيا لرقبتها، ويتبين فيما بعد أنها تعرضت بدون علم وملاحظة أحد إلى سكتة دماغية!
لعل الاختفاء يرمز إلى عدم المعرفة، فالأم برغم تفانيها في خدمة أسرتها لم تكن حاضرة في حياة أحد، ولم يكونوا يعرفون عنها شيئا، صحيح أن علاقتها بأبنائها كانت ودية ودافئة ولكنهم لم يكونوا يعرفونها.
ينشر الأبناء اعلانا في الصحيف، ويوزعون الإعلان في الأمكنة المتوقع أن الوالدة اختفت بها ويسألون كل من يقابلونه، وقرأت الإعلان موظفة في دار الأمل للأيتام وجاءت مرات عدة إلى بيت بارك سونيو في القرية ووجدته مقفلا، وفي مرة وجدت الزوج، قالت إنها كانت تمر عليها أو تستقبلها في دار الأيتام وتقرأ لها من كتاب، وكانت هي تأتي إلى دار الأيتام تتبرع بالنقود وتساعد في العمل. علم الزوج للمرة الأولى أنها كانت تذهب الى هناك منذ عشر سنوات، كان أبناؤها يرسلون إليها كل شهر 650 ألف وان وهو مبلغ لا بأس به، ولكنها كانت تتبرع بـ 450 ألف وان، قالت هونغ تاي موظفة الدار إن الأولاد كانوا يتلهفون لزيارتها وينتظرونها بشوق، وكان أحدهم وقد أسمته كيون يعتبرها أمه، واشترت له حقيبة مدرسية وقرطاسية ليستعد لدخول المدرسة الإعدادية.
كان الكتاب الذي تحمله هونغ تاي هو كتاب الابنة، لم تكن تعلم أنها ابنة بارك سونيو، ولكنها لاحظت من الكتاب أن المؤلفة تعود أصولها إلى هذه القرية وأنها درست فيها المرحلة الابتدائية!
عندما أقام الابن البكر في بيته في سول بدأت أمه تزوره من القرية، كانت تأتي محملة على رأسها وكتفيها وفي خصرها بالمنتجات التي أعدتها في القرية، وكان ابنها يتعجب عندما يأتي إلى محطة القطار لإحضارها كيف استطاعت امرأة أن تحمل كل هذه الرزم!
الوالدة لم تظهر، ولكنا تعرفنا في الرواية على التحولات الاجتماعية والثقافية التي جرت في كوريا في انتقالها من بلد زراعي فقير يحكمه نظام سياسي استبدادي إلى بلد صناعي متقدم. وفي ذلك يدفع كبار السن ثمنا كبيرا، وهم يفقدون أبناءهم وأسلوب حياتهم. وأظنها رواية تلائم الأردن، البلد الذي شهد تحولات اجتماعية كبرى وإن لم تكن مصاحبة لنمو اقتصادي أو صناعي، ويدفع ثمن ذلك كبار السن اليوم بصمت ودون أن يلاحظ أو يهتم أحد.

التعليق