نضال منصور

جذوة حقوق الإنسان بالأردن تراجعت

تم نشره في الأحد 23 آب / أغسطس 2015. 12:03 صباحاً

صدور التقرير السنوي للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وتسلم الحكومة والبرلمان نسخا منه، يعد مؤشراً إيجابياً سواء لدور المركز في صيانة حقوق الإنسان أو للدولة الأردنية التي تؤكد على هوامش الحريات، وبأن في هذا الإقليم المشتعل بالحروب والنزاعات مساحة متاحة للحديث عن دول ما تزال تؤمن ولو بحدود معقولة بإمكانية التعايش مع قيم حقوق الإنسان، والأردن نموذج لذلك.
ربما يجد بعض قادة المجتمع المدني أن التقرير قد يكون مجاملاً للحكومة بعض الشيء، وليس قاسياً في النقد في أماكن أخرى، خاصة حين تكون هناك انتهاكات متكررة وممنهجة، ولا مبالاة في تصويب الأخطاء والممارسات التي قد يصل بعضها إلى حد التجريم في ظل استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب.
لكن الحق يقال بأن التغيير ليس مساراً باتجاه واحد، أو كيل الاتهامات والانتقادات، بل بمواصلة الجهد في العمل المؤسسي، ومحاولة اجتراح حلول توافقية للوصول إلى تفاهمات تضمن إنضاج بيئة حاضنة لحقوق الإنسان.
ولذلك أجد نفسي مؤيداً وداعماً للمركز الوطني لحقوق الإنسان ولتقريره، وأشد على يد كل العاملين فيه مقدراً عملهم، ومطالباً بمزيد من العمل حتى ولو كنا أحياناً نشعر بالإحباط، وبأن الطريق الذي نسلكه مسدود، وبأن قوى الشد العكسي لا تصغي، وإنما تضع العصي في دواليب الحركة الحقوقية.
لم يتسنَ لي قراءة التقرير كاملاً، ولكن مقدمته كاشفة وتعطي مؤشراً جيداً للتفاصيل، فالجرس الأول الذي يعلقه بالتأكيد بأنه لا توجد مناطق محظورة لا يجوز الاقتراب منها في قضايا حقوق الإنسان، أو أن بقاء هذه الانتهاكات أو التجاوزات أمر مفروغ منه، ولا توجد استكانة أو قبول لفكرة استحالة مناقشة أي تحد أو مسألة تمس حقوق الإنسان.
وهذا يعني أنه لا توجد تابوهات وخطوط حمراء، وقضايا حقوق الإنسان لا تحل بالسر والغرف المغلقة، والمواطن يجب أن يكون شريكاً في بناء السياسات العامة.
أثنى التقرير على طلب رئيس الحكومة من جميع الوزارات والدوائر والأجهزة العمل على تضمين وإدماج معايير حقوق الإنسان في قوانينها وخططها وبرامجها التنفيذية، غير أنه يشير مباشرة إلى أن القليل أنجز في معرض تنفيذ هذا التوجه نهاية العام 2014.
وسلط التقرير في مقدمته على تواضع أداء الحكومة في ثلاثة مجالات رئيسية أبرزها؛ متابعة تعديل التشريعات بشأن عدد من القوانين لمواءمتها مع الدستور والمعايير الدولية، والمباشرة في عملية إدماج معايير حقوق الإنسان في السياسات العامة للحكومة فعلياً، ومحاسبة ومساءلة مرتكبي الانتهاكات حسب القوانين الأردنية والمعايير الدولية ومقتضيات العدالة.
وفي هذا السياق؛ يمكن أن يقال الكثير عن بطء الإجراءات الحكومية والبرلمانية الشريك في تعديل التشريعات، مع ضرورة الإنصاف وتثمين جهود الفريق المنسق الحكومي لحقوق الإنسان.
وبالتدقيق قليلاً بالمشهد، فمنذ المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان للأردن في مجلس حقوق الإنسان بجنيف، والذي عقد في أكتوبر من عام 2013، فإننا نجد أن الحكومة قدمت تعهدات كثيرة ومهمة، لكنها حتى الآن ومع اقتراب مرور عامين لم تنجز إلا القليل القليل، ويكفي أن نعطي مثلاً ملف الإعلام، فهناك 15 توصية وافق عليها الأردن ورغم النوايا الطيبة والنشاط لوزير الدولة لشؤون الإعلام، فإن التقدم محدود، وتأتي بعض الانتهاكات كتوقيف وسجن الصحفيين استناداً لحزمة تشريعات مقيدة لتنسف الكثير من الجهد الإيجابي المبذول وتضر بصورة الأردن دونما أي مبرر.
ويتوقف تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان عند التوجيه الملكي إلى الحكومة بإعداد خطة وطنية لحقوق الإنسان وتشكيل هذه اللجنة باعتبارها أهم خطوة رسمية تنفيذية حصلت في العام الماضي 2014.
ورغم هذا التوجيه الملكي المهم، فإن التقرير يشير بوضوح إلى أن واقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الحال للحقوق المدنية والسياسية لم يكن كما هو مأمول، وليس بأفضل حال مثلما شعرت إدارة المركز عامي 2012، 2013 بتوجه رسمي حكومي لتحاشي أي اشتباك مع حقوق الإنسان، في حين شهد العام 2014 ارتدادات في مسألة حرية التعبير.
ويعترف التقرير في مقدمته بأن جذوة ربيع حقوق الإنسان في الأردن، التي تفتحت عام 2012 قد تراجعت، وأن التوجهات الإيجابية لم تحدث التغيير والزخم المطلوب.
التقرير بمجمله يقدم تشخيصاً لحالة حقوق الإنسان ويقترح الإسراع بوتيرة الإصلاح السياسي والاجتماعي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بإنفاذ القانون، وتوسيع الشراكة بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني.
التقرير جيد، وجهد المركز الوطني مطلوب، والتوجيهات الملكية ضرورية، ولكن المفاجئ أن الممارسات تؤشر إلى أن منهج احترام حقوق الإنسان ضعيف، والانتهاكات تعصف بالنوايا الطيبة والكلام المعسول.

التعليق