متى تبدأ شخصية الطفل بالتكوُّن؟

تم نشره في الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2015. 12:00 صباحاً
  • في سن السنتين يستطيع الطفل أن يفهم ويستجيب لبعض التعليمات التي ألفها ممن حوله - (أرشيفية)

عمان- يخطئ البعض باحتساب عمر الطفل منذ ميلاده، أي منذ أن يبصر النور، والحقيقة العلمية التي أصبحت ثابتة، تقتضي أن نحسبه منذ عملية الإخصاب، أي منذ أن يتشكل الجنين في رحم أمه، وعلى مستوى التكوين يأتي التأثير لاحقاً، فبقدر ما يكون التشكيل معافى، تتهيأ الأرضية التي تبنى عليها شخصية المولود، ومن ثم شخصيته كإنسان راشد.
وأثبتت الدراسات أن الجنين يتأثر بالانفعالات التي تتأثر بها أمه، ويتأثر بالأصوات التي يسمعها، فيستجيب لبعضها وينفر من الآخر، وما يتعرض له من حالات تريح نفسيته وأعصابه، يكوّن لديه القدرات التكوينية التي تساعده على تكوين شخصيته، أو تقف مانعاً دون تكوين شخصية قادرة متوازنة لماحة.
وتبين بالتجارب والدراسات أن الجنين في الأسبوع الخامس من بدء تخلُقه، يُبدي مجموعة أفعال انعكاسية معقدة للغاية. وعندما يبلغ الأسبوع الثامن فهو لا يحرك رأسه وذراعيه وجذعه بسهولة وحسب، بل يستخدم أيضاً هذه الحركات بوصفها تعبيرات عن ميوله أو اشمئزازه، بواسطة ركلات ورفسات واضحة لا غموض فيها ولا لبس في معانيها، وهو يكره أن تعبث الأيدي به، فإذا ضغط الطبيب على بطن الأم الحامل، سرعان ما يتلوى الجنين ساعياً لتحاشي الضغط وظهر فيما بعد أن الجنين يُقطب وجهه، ويُزوي بين حاجبيه وهو في الشهر الرابع معبراً عن الاستياء، وهو في هذا الشهر يكتسب ردود فعله الرئيسية، وإذا لمست جلدة رأسه بلا قصد تراه يحرك رأسه إلى الوراء بحركة مفاجئة، وشوهد يضطرب ويرتعش إذا شربت أمه بعضاً من الماء البارد.
أما الصوت القوي الذي يسيطر على عالم الجنين فهو "خفقان قلب أمه"، ذلك الخفقان الروتيني الدائم المنظم، وما دام الصوت محتفظاً بانتظامه، فإن الجنين يُحس بالطمأنينة تغمره، ولوحظ أنه يستجيب بالهدوء والسكينة للأنغام الموسيقية الهادئة، ويتحرك بعنف ويركل لدى سماع الأمهات لبعض الإيقاعات الحادة.
الطبيب والباحث الأميركي المختص بالأمراض العصبية والنفسية توماس فيرني يقول "يولد المولود ويأتي إلى هذه الحياة لا ليبدأ التعرُف على عالم كان يجهله، وإنما ليتابع خبراته التي تكونت عنده وامتلكها في بطن أمه". 
ولغة الرضيع الصراخ والمناغاة والإيماءات، والصراخ الأكثر شيوعاً، والمناغاة أكثر أهمية فمنها تنمو لغة الكلام عند الإنسان، وصراخ المولود يتميز بعد أسابيع بحيث يمكن فهم احتياجه من نغمة الصرخة وحدتها، مع الحركات الجسمية المصاحبة لنوع التعبير والحاجة لدى الطفل، فصراخ الألم يُعبر عنه بصراخ عال مرتعش، ويصاحبه ما يشبه الأنين من التأوهات، وصراخ الجوع يكون عالياً تقطعه حركات المص.
والجوع والحر هما السببان لمعظم الصراخ في الأسابيع الأولى من حياة الرضيع، ومع النمو يزداد ألم سوء الهضم، وابتداء من الشهر الثالث يكون الصراخ الطريقة المؤكدة لجلب انتباه الآخرين، وفي الشهر الرابع يصرخ الطفل لعدم الاستمرار في ملاعبته، وفي الشهر الخامس يزيد الرضيع من الصراخ، إذا دخلت عليه أمه ولم تُعره انتباهها، ولذلك قد يكون الصراخ المعبّر عن الاحتياجات دليلاً على ارتفاع مستوى ذكاء الطفل، وعموماً الرضيع الذي تتوفر احتياجاته بطريقة منتظمة يكون أقل صراخاً، ممن لم تتوفر لهم احتياجاتهم ولكن بتقطع وبغير انتظام، لذلك يفضل تحديد مواعيد الوجبات ومراعاة تغيير الملابس وإشعار الرضيع بالقرب الدائم.
ويهدف الرضيع إلى الاتصال أو التعبير، فيبدأ بعد نمو الجهاز الصوتي بالمناغاة. بمقطع واحد متكرر، ثم بمقطعين وأكثر كيفما اتفق، ثم تتزايد بالتدريج، وفي حين تبدأ في الشهر الثاني أو الثالث، تصل إلى غايتها في الشهر الثامن، ثم تختفي ويبدأ الكلام العادي، وبالممارسة والتدريب يربط الطفل بين عدد من الحروف؛ دادا – ما – ما ، با – با ، وتكون أول كلمة صحيحة ينطقها في نهاية السنة الأولى تقريباً، ومن العجيب أن أطفال البشر جميعاً على اختلاف لغاتهم، تبدأ على أفواههم أول ما تبدأ كلمة (بابا، ماما) بنفس الصوت والحرف.
وفي الأسبوع السادس من عمر الرضيع تبدأ أول ابتسامة اجتماعية حقيقية، ويستخدم الطفل لغة الإيماءات، مثل مد اليدين، والابتسام المعبر عن رغبته في أن يُحمل.
ويمكن للطفل أن يفهم السرور والغضب والخوف منذ الشهر الثالث، وبخاصة إذا كانت معززة بإيماءات الكبار، وخلال الشهر الثاني والثالث يمكن للطفل أن يميز بين الأشخاص، فيدرك الذين يشبعون حاجاته، فيبكي حين يتركه من حوله، ويظهر تعلُقه بأمه بإصدار أصوات وابتسامات لها دون الآخرين.
وفي سن السنتين يستطيع الطفل أن يفهم، ويستجيب استجابة صحيحة لبعض التعليمات التي ألفها ممن حوله، وتبدأ المفردات اللغوية عند الطفل بالأسماء التي ترتبط بالأشخاص والأشياء في بيئته، بابا، ماما، جدو، تيته، خالو، لين، ماء، وكذلك الأفعال التي تدل على نشاط اعتاده مثل؛ كول، العب، روح وفي نهاية السنتين يكتسب بعض الكلمات الدالة على النعت مثل: حلو، طيب وغيرها.
وكلمات مثل؛ حمام، صبح، فوق، ويندر استعمال الجمل الخبرية في هذه المرحلة مثل؛ حلا، أمورة، بابا وقع، وأول كلمة صحيحة في النطق تكون تقريباً في نهاية السنة الأولى كما ذكرنا سابقاً، ثم تنمو اللغة في السنة الثانية، ويلاحظ أن ما يفهمه الطفل من الكلمات في هذه الفترة، يكون أكثر عدداً مما ينطقه بالفعل، لأن الفهم ينمو مبكراً وبسرعة أكبر من إنتاج الكلمات بخمس مرات غالباً، ويكون معدل فهم الكلمات خلال العام الثاني بمعدل أكثر من عشرين كلمة جديدة في الشهر، أما ما يمكنه نطقه من كلمات جديدة لا يتعدى تسع كلمات شهرياً، وقد يفهم طفل لا ينطق إلا بكلمات قليلة، أكثر من طفل ينطق بكلمات أكثر منه، ومحصول طفل يبلغ ما بين السنة والنصف والسنتين حوالي خمسين كلمة، والطريقة الصحيحة لتدريب الأطفال على الكلام، أن يشار له إلى الشيء ونقرن الإشارة بإسمه، ويطلب منهم تكرار ما يسمع، وتبلغ عادة ثروة طفل عمره أربع سنوات أكثر من ألفي كلمة، ومع نهاية العام الخامس قد يصل العدد إلى ثلاثة آلاف كلمة.

عبد العزيز الخضراء
باحث وكاتب تربوي

التعليق