د. جاسم الشمري

القانون والأمن والإنسانية!

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2015. 11:04 مـساءً

يحكى أن شرطياً أميركياً يدعى دينيس، من ولاية ألاباما، استلم بلاغاً عن جريمة سرقة في مدينته من البِقالة. وعندما حضر لاعتقال اللص، وجد أن ما سرقته هيلين كان خمس بيضات فقط. وقالت له إنها لم تأكل منذ يومين هي وعائلتها. وعلى خلاف القانون، قرر الشرطي عدم اعتقالها، واشترى لها سلة بيض كاملة. وبعد يومين، عاد دينيس ومعه زميله بسيارتين كانتا محملتين بالطعام من تبرعات جمعها لعائلة هيلين، التي قالت له: إنك لا تحتاج لتفعل لي كل هذا يا سيدي. فكان رده: إننا لا نحتاج إلى القانون أحياناً بقدر ما نحتاج إلى الإنسانية!
هذه الحادثة المليئة بالجوانب الإنسانية الممزوجة بالرحمة والرفق، تذكرنا بمواقف مغايرة ومناقضة، منها شريط الفيديو الذي نشر قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي، ويَظهر فيه بعض أفراد الشرطة من دائرة سجن الناصرية المركزي، جنوبي العراق، وهم يعذبون مجموعة من السجناء الذين يقضون محكوميتهم هناك، بعد صدور الأحكام القضائية النهائية بحقهم. فهم ليسوا في مرحلة التحقيق، التي غالباً ما تكون مصحوبة بالتعذيب في عموم المعتقلات والسجون العراقية.
الشريط أظهر أن السجناء تعرضوا للضرب والتعذيب في مناطق حساسة من أجسادهم العارية، وعلى العمود الفقري، بواسطة عِصِي غليظة. وكان تعذيبهم مصحوباً بألفاظ طائفية رذيلة ضدهم، ووضع للأحذية في أفواههم.
الحيرة التي تراود المتابع لهذا الشريط -وهو بالمناسبة ليس الشريط الأول الذي يثبت انتهاكات لحقوق الإنسان العراقي- تتمثل في: بأي حق قانوني، أو أخلاقي، تجري عمليات التعذيب لسجناء صدرت بحقهم أحكام قضائية؛ وبالتالي فهم -وبموجب القانون- نالوا عقابهم؟! وعليه، فإن عمليات تعذيبهم هي جزء من الإرهاب الرسمي، الذي تنفذه المليشيات الرسمية!
الإصلاحات التي تطالب بها الجماهير الغاضبة في عموم الجنوب العراقي، ينبغي أن تكون متعلقة بما يلامس حياة عموم الناس وكرامتهم، وليس الخدمات فقط. وهنا ندعو جماهير الناصرية الأصلاء إلى أن يطالبوا بعدم المساس بالسجناء، لأنهم -وعلى الرغم من أنهم يقضون محكوميتهم في سجن الناصرية المركزي- "نزلاء ضعفاء"، تقع على كاهل أهالي الناصرية المسؤولية الأخلاقية بضرورة إيقاف عمليات التعذيب المنتظمة ضدهم من مليشيات معروفة للجميع.
إن رجال الأمن هم الركن الركين في بناء الدولة، وهم عيون الدولة والمجتمع، وهم الراعي والمسؤولون أمام الحكومة عن الأمن وحياة الناس وممتلكاتهم، وسيادة القانون.
إن نشر الأمن لا يكون بعيداً عن القيم الإنسانية الرفيعة. والسجون لم توضع للعقوبة فقط، وإنما هي دوائر للإصلاح السلوكي، ولهذا نجد أن اللوحات التعريفية لهذه السجون يكتب عليها: "دائرة الإصلاح" في بغداد أو الموصل أو غيرهما من المدن، وهذا يؤكد أن الغاية من العقوبة هي إصلاح الاعوجاج في سلوك بعض المواطنين، الذين يُلقى القبض عليهم، ثم يحاكمون في محاكم عادلة. وهذا الكلام في الحالة الطبيعية، أما وضع العراق الراهن فمختلف تماماً!
الحال في بلاد الرافدين اليوم يتمثل في أجهزة أمنية غالبيتها تمتاز بالطائفية والحقد والكراهية تجاه المواطنين؛ تعتقل الأبرياء من كل مكونات الشعب، وبعد ذلك تتم مقايضتهم بمبالغ خيالية لإطلاق سراحهم، هذا فضلاً عن عمليات الاختطاف والتهديد بالقتل، وغيرها من صور الابتزاز والترهيب. فهل يعقل أن يكون جهاز الأمن هو مصدر الخوف الرئيس للمواطنين، وتكون العدالة هي منبع الظلم للناس؟! ثم إن لم يكن القضاء ملاذاً للمظلومين، فإلى أين يولي المظلوم وجهه؟!
الإصلاح الذي تدّعي حكومة حيدر العبادي أنها جادة في تطبيقه، ينبغي أن يبدأ من المؤسسة القضائية ودوائر السجون؛ لأن هذا الظلم الرسمي يعني مزيداً من الناقمين والكارهين للحال في الوطن، وهذا لن يكون سبيلاً للبناء، بل معاول للدمار النفسي والفكري والسلوكي للمواطنين!
الأمن والقضاء هما الحياة. ولا حياة للدول والأفراد إلا برجال أمن وقضاة نذروا أنفسهم وطلقوا راحة أجسادهم من أجل أهلهم ووطنهم. وهذا هو سر الرفاهية والتطور والعمران التي تتمتع بها دول العالم المتطورة، القريبة والبعيدة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ملحق (نوفل الماشطي الحسيني)

    السبت 29 آب / أغسطس 2015.
    علما ان المادة 4 ارهاب اصبحت معروفة في الشارع العراقي باسم مادة 4 سنة ...
  • »ازدواجية تطبيق القانون من قبل الحكومة مع مكونات الشعب. (نوفل الماشطي الحسيني)

    الخميس 27 آب / أغسطس 2015.
    مقال رائع جدا للاخ الكاتب جاسم الشمري وماذكره هو مختصر لواقع الامن المفقود في العراق وواقع الارهاب الذي يمارسه رجال اجهزة امن الدولة مع افراد الشعب وليس هذا فحسب بل يتعاملون بازدواجية مع مكونات الشعب فمن المعروف وللظروف الغير طبيعية التي مر بها البلد من جراء احتلاله من قوى خارجية وتغير نظامه الوطني السابق ومارافقه من متغيرات ادى الى ان يكون هناك انفلات امني رافقه عمليات ارهابية ادت الى تهديد امن المواطن بصورة عامة والى تهديد امن البلد واستقراره ولضمان الحقوق والحريات والشروع في عجلة التنمية الشاملة بات من الضروري اصدار تشريع من شانه القضاء على العمليات الارهابية وتحجيمها والحد من التفاعل مع القائمين بها باي شكل من اشكال الدعم والمساندة لذلك شرع في العام 2005 قانون مكافحة الارهاب حيث نصت المادة الربعة منه على 1. يعاقب بالاعدام كل من ارتكب – بصفته فاعلا اصليا او شريك عمل ايا من الاعمال الارهابية الواردة بالمادة الثانية والثالثة من هذا القانون، يعاقب المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الارهابيين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الاصلي .
    2. يعاقب بالسجن المؤبّد من اخفى عن عمد اي عمل ارهابي او اوى شخص ارهابي بهدف التستر . وجاء بالمادة الثانية والثالثة المشار اليها في اعلاه كما يلى 2. كل فعل يتضمن الشروع بالقوة او العنف في قلب نظام الحكم او شكل الدولة المقرر في الدستور .
    3. كل من تولى لغرض اجرامي قيادة قسم من القوات المسلحة او نقطة عسكرية او ميناء او مطار او اي قطعة عسكرية او مدنية بغير تكليف من الحكومة.... وعلى اثر هذا التشريع قامت السلطات الحاكمة واجهزتها الامنية باستغلال هذا القانون اسوء استغلال وخصوصا ضد المكون السني بالذات ..فكل شخص من السنة يلقى القبض عليه ولاي سبب كان يدرج ضمن مادة 4 ارهاب في حين ان اي مجرم او ارهابي يلقى القبض عليه من المكون الشيعي يدرج ضمن بند الخارجين عن القانون وتطبق بحقهم مواد قانونية اخرى تعفيهم من الاعدام والمؤبد اي ان الحكومات المتعاقبة لحكم البلد والى الان تتعامل بازدواجية مع مكونات الشعب ومن خلال هذا القانون وهذا الامر اصبح شائعا جدا ومعروفا فاي شخص سياسي من السنة او غير سياسي يراد التخلص منه بات من الطبيعي لصق به تهمة الارهاب وفق المادة 4 واصبح تسمية هذا القانون من قبل عامة الشعب بقانون 4 ارهاب واصبح موجه نحو السنة فقط واصبح السنة من خلال هذا القانون المتسلط على رقابهم يعانون من ظلم وجبروت وغطرسة الحكومة الطائفية واجهزتها الامنية من خلال هذا القانون فكم من بريئ اعدم لكونه سني بغطاء هذا القانون وكم من بريئ سني خلف القضبان من جراء استغلال هذا القانون كيفيا وضده ..فعلى الحكومة الحالية ان كانت تريد الاصلاح فعلا ان تحسن التعامل مع مكونات الشعب سواسية وان لافرق بين سني وشيعي تحت مضلة الدولة وتعمل بهذا القانون مع كافة مكونات الشعب وان لايكون حكرا وموجها على مكون واحد من الشعب ...وشكرا للكاتب المبدع على مقاله الرصين الجيد ...
  • »إنهم كلاب ساقطون؟ (ماجد الجميلي)

    الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2015.
    من المعلوم أن ما يسمى الأجهزة الأمنية في عراق مابعد الاحتلال، ماهي إلاّ مجموعة من عصابات الجريمة والخيانة وأصحاب السوابق، القادمين من أرض الشر والغدر، بلاد فارس، والولي الفقيه في إيران، وهؤلاء متعطشون للدماء والسلب والنهب، ومتفلتون من كل القيم والأخلاق والإنسانية، والأحكام القانونية، فهؤلاء، لا يحتكمون إلى قانون أو دستور، أو نظام، القانون الوحيد الذي يحكم إجرام هؤلاء المجرمون في الميدان هي الفتوى، وأمر السيّد، والبيروطقراطية؟..
  • »قانون مع وقف التنفيذ (دانية عقيل)

    الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2015.
    سن العراق أولى بذور القانون المتمثلة بحمورابي وشريعته التي أشاعت اﻷمن واﻷمان وجعلت الناس سواسية أمام القانون لافرق بينهم وتوالت اﻷزمنة والسنون ووصل العراق لدى بعض أبنائه بإنعدام اﻹنسانية تماماً ليس القانون فقط
    أضحى ممن ينتسبون ﻷجهزة اﻷمن كالمتعطشين للدماء وكأنه يعذب جماد ليس إنساناً ينتهي به المطاف الى اﻹعاقة وانكسار الحياة بداخله ممايجعل الدنيا أمامه مسودة قاتمة يتنفس فيها من ثقب إبرة
    القانون لايسلم لمن يمتلك العضلات والقوة البندنية بل يسلم لمن تيقن وتشرب اﻹنسانية والعدالة منذ صغره واضعا نصب عينيه كرامة اﻵخرين التي وكلها الله له لاعليها من إهانتها وإذلالها
    بؤرة الفساد في العراق تتسع في كل الجوانب والله أعلم بما تحمله اﻷيام القادمة
    شكراً جزيلاً د.جاسم
  • »إنسانية القانون (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 25 آب / أغسطس 2015.
    نعم أؤيد ماجاء به الكاتب وأضيف عليه في العراق التعذيب لايطال السجناء فقط بل حتى من هم خارج السجون
    نحن الأحرار داخل البلد نتعرض لابشع تعذيب وإرهاب من قبل المليشيات ورجال الأمن في مناطقنا وداخل دوائرنا وهو التعذيب النفسي حيث نتعرض لاستفزاز هذه المليشيات وحتى من قبل رجال من الطائفة المخالفه لطاءفتنا
    هذا مانتعرض له ونحن خارج القضبان فكيف يعيش من هو خلف القضبان ابعدنا الله وإياكم من شرورهم
    الحديث طويل عن انتهاكات الحكومه والجهات الامنيه بحق المواطن العراقي لكن يجب علينا أن نتمسك ببلدنا ولانترك الساحه خالية لهم لكي يرتعون ويلعبو بما يحلو لهم في تغيير ديموغرافية مناطقنا وتغيير اتجاهاتنا بما ينسجم مع ميولهم البغيضة
    في بلدي بعد 2003 لايوجد أمن ولاامان والقانون ضعيف ومخترق والإنسانية خلت من قلوب الكثير
    شكرا للكاتب شكرا لقلمه الذي يأن بوجعنا