الجيوش العربية مليئة بالصخب والعنف

تم نشره في الاثنين 31 آب / أغسطس 2015. 11:00 مـساءً
  • الانتقاضات العربية وتداعياتها دفعت الجيوش العربية إلى النهوض من سباتها الطويل - (أرشيفية)

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 22/8/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القاهرة- على الرغم من سمعة الشرق الأوسط الدموية، تمكَّن معظم جنرالات المنطقة من التخفف من أحذيتهم العسكرية والركون إلى الراحة لوقت طويل من العقود القليلة الأخيرة. فباستثناء القليل من الفواصل القاتمة، مثل غزو العراق للكويت في العام 1990، أو الحرب التي استمرت عقداً تقريباً والتي خاضها العراق ضد إيران في الثمانينيات، لم تضطر القوى العربية الرئيسية إلى الكثير من القتال منذ التوصل إلى اتفاقيات السلام أو وقف إطلاق النار الدائم مع إسرائيل بعد حرب العام 1973.
مع ذلك، اضطرت كل الجيوش في المنطقة إلى النهوض من سباتها بعد انتفاضات الربيع العربي في العام 2011، والصراعات التالية التي أثارتها تلك الانتفاضات. والآن، من الصعب العثور على الكثير من الجيوش التي لا تقاتل في المنطقة. ويتراوح أعداء هذه الجيوش بين "الدولة الإسلامية" أو "داعش" في سورية والعراق، إلى ميليشيات الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن. (و، في العديد من الحالات المثيرة للقلق، مواطني هذه الجيوش أنفسهم).
الآن، ومع تردد أميركا وأوروبا مرة أخرى في إرسال قواتها البرية إلى المنطقة، فإن استقرارها سوف يعتمد إلى درجة كبيرة على القدرة القتالية للجيوش العربية. فهل هي على مستوى النهوض بالمهمة؟
بالقياس على أدائها السابق، فإن ثمة القليل من الأسباب للأمل. في العقود الماضية، تعرضت هذه الجيوش للهزيمة على يد إسرائيل، وأبلت أحسن قليلاً فقط ضد إيران أو في التوغلات الصغيرة داخل دول أفريقية، كما حدث في تشاد. واليوم، وحتى مع وجود الأسلحة والدعم الغربيين، تناضل الكثير من هذه الجيوش لمجرد الثبات على الأرض عندما يشرع الرصاص في التطاير. هناك أجزاء كبيرة من الجيش الوطني العراقي التي انهارت مباشرة في العام الماضي -على الرغم من تلقيه مليارات الدولارات في شكل تدريب ومعدات من الولايات المتحدة- عندما استولت قوات صغيرة من "داعش" على الموصل وأجزاء كبيرة من البلد. ولدى وضعها قيد الاختبار في الوطن، تمزقت جيوش كل من اليمن وليبيا ببساطة. ويناضل لبنان، الذي يسيطر جيشه على جزء من البلد على أي حال، عله يتمكن من وقف الفوضى السورية عن الاندفاع إليه من فوق حدوده.
لا تنبع مشكلات الجيوش العربية بالتأكيد من العوز إلى المال أو المعدات، حيث تخصص دول المنطقة أجزاء كبيرة من ناتجها المحلي الإجمالي لقواتها المسلحة. وحسب تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مؤسسة فكرية مقرها لندن، فإن بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشكل 8 من أعلى 15 دولة في العالم إنفاقاً على الشؤون الدفاعية، إذا ما قيس حجم هذا الإنفاق بحصته من الكعكة الوطنية.
إحدى المشكلات هي أن الكثير من هذه الأموال تذهب هدراً. ويتم إنفاق المليارات على العتاد البراق المتباهي، مثل الطائرات المقاتلة أو الغواصات التي تبدو مثيرة للإعجاب، لكنها ربما لا تكون مناسبة لنوع الصراعات التي تخوضها تلك الجيوش. كما أن من الصعب صيانة هذه الدمى أيضاً. وتعني السرقة والفساد واسعي النطاق أن الكثير من العتاد يختفي، أو أنه يبقى محفوظاً في الثكنات (وهو أحد الأسباب التي تجعل "الدولة الإسلامية" تستولي على هذا القدر الكبير منه في العراق).
في الجيوش العربية، ثمة قدر أقل من الأولوية التي تُعطى للقيادة والسيطرة، واللوجستيات وتجميع الاستخبارات. وتفتقر الخطط إلى المرونة ويتم الالتزام بها حتى عندما لا تعمل. ويتفاقم ذلك لدى عدم إعطاء سلطة التصرف للضباط الصغار وغير المفوَّضين -وهو الأمر الذي يصنع معظم قوة الجيوش الغربية. ويظل احترام الأقدمية والكبار هو العرف في المجتمع العربي، لكنه يترك الوحدات الصغيرة بلا قدرة على التصرف بسرعة، ومن دون انتظار موافقة من الأعلى.
بل إن هناك نقطة ضعف أكثر خطورة، هي أن القوات المسلحة في العالم العربي لا تعمل ببساطة كمؤسسات محايدة محترفة مثل نظيراتها في أوروبا. فهي دائماً أكثر ولاء لحاكم أو طائفة عرقية أو دينية أكثر من ولائها للدولة. وتشكل سورية مثالاً على الحالة الأولى، وتعرش ليبيا واليمن، المتخمتان بالولاءات القبلية والإقليمية، أمثلة على الحالة الثانية. كما أن رجال الجيش لاعبون كبار في اقتصادات وسياسات دول مثل مصر -بل إن هذا الاتجاه تزايد منذ ترنحت الدول العربية بعد العام 2011. وقد أصبح معدل تدوير الضباط الكبار عالياً أيضاً، حيث تخاف الأنظمة منهم كمخططي انقلابات محتملين.
حتى تتكيف مع هذه الأوضاع، تعمد العديد من الدول إلى الاستعانة بمصادر خارجية، فتسند المهمات العسكرية للميليشيات. ويدفع بشار الأسد، دكتاتور سورية، للعديد من المجموعات حتى تقاتل من أجله؛ في حين أن الدول التي تريد أن تراه وهو يغادر تدعم مجموعات الثوار. وفي العراق، تدفع الحكومة وحليفتها، إيران، للميليشيات الشيعية حتى تقاتل مجموعة "الدولة الإسلامية".
مع ذلك، هناك بديل عن تسليم مهمة الدفاع عن الدولة للعصابات المسلحة ببساطة. ولا تشكل جيوش الأردن والإمارات العربية المتحدة بأي حال قوى عسكرية من المرتبة الأولى، لكنهما من بين أكثر جيوش المنطقة حداثة وقدرة. قواتهما الجوية كفؤة؛ ووحدات النخبة لديهما مدربة تدريباً جيداً. ويمتلك الأردن بالتحديد قوات خاصة جيدة، بفضل مرفق تدريب مهم حسب الطلب، والذي يستضيف بانتظام وحدات زائرة من الأماكن الأخرى (والعديد منهم يتنافسون في "مسابقة المحارب" السنوية). وبشكل عام، برهنت القوات الخاصة لمكافحة الإرهاب في المنطقة كونها مناسبة. وقد أسست البعض منها قوات عمل جماعية، والتي تشكل وحدات قتالية فعالة. لكن هذا العدد الصغير من قوات النخبة مثقل بالأعباء بشكل عام، كما أنه يتم إرسالها من منطقة متاعب إلى أخرى.
في الأثناء، أثبتت القوات التقليدية للإمارات العربية المتحدة جدارتها -النسبية- في اليمن: فمنذ وجودها في عدن هذا الشهر، أحرزت هذه القوات تقدماً سريعاً ضد الحوثيين. ويتناقض ذلك مع القوة التي أسهمت بها السعودية، والتي لم تحرز تقدماً يُذكر.
إذا كان للجيوش العربية أن تشكل حصناً ضد انتشار "الدولة الإسلامية" والميليشيات الأخرى، فإنها تحتاج إلى إجراء إصلاحات عميقة. وسوف تكون الخطوة الأولى هي تقليصها. وهناك الكثير منها منتفخة بالجنود فقيري التعليم وسيئي الأجور. وعلى سبيل المثال، لدى مصر 434.000 رجل يخدمون في الواجب الفعلي؛ ولدى العربية السعودية 227.000. ويعود ذلك جزئياً إلى أنه تم استخدام هذه الجيوش لاستيعاب الشباب العاطلين عن العمل. وكانت النتيجة في سورية ومصر هي وجود أولاد يتقاضون أجوراً زهيدة، وتغذية سيئة، والذين يتم استخدامهم كوقود للمدافع -ويؤدون كذلك على هذا النحو. ويقول اللورد (ديفيد) ريتشاردز، الرئيس السابق للقوات المسلحة البريطانية: "إذا كنت تعتقد أنه يرجح أن تكون عرضة لنفاد الطلقات لديك، أو أنك إذا جُرحت فإنها لن تكون هناك عناية طبية جيدة، فإنك ستكون أقل ميلاً إلى القتال".
يرجح أن تكون القوات الأصغر المحترفة، الأصغر حجماً، والمؤلفة من المجندين المتعلمين الذين يتلقون رواتب جيدة، أكثر فعالية في القتال، لكن القليل من الحكومات في المنطقة ترغب في اقتناء مثل هذا النوع من الجيوش، لأنها تخشى من الانقلابات. وإذا كانت تريد تحسين أداء قواتها في ميادين المعارك، فسيكون على الدول العربية أن تقوم أيضاً بتحسين طريقة حكمها في الوطن.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Arab armies: Full of sound and fury

التعليق