الأمم المتحدة في عامها السبعين

تم نشره في الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً
  • أحد اجتماعات الأمم المتحدة - (أرشيفية)

جيفري د. ساش*

نيويورك- يصادف اجتماع زعماء العالم هذا الشهر في المقر الرئيسي للأمم المتحدة بمدينة نيويورك، حلول الذكرى السنوية السبعين لتأسيسه هذه المنظمة. وعلى الرغم من أن الأمر لن يخلو من قدر وفير من الصخب الإعلامي، فمن المؤكد أنه لن يعكس قيمة الأمم المتحدة بالقدر الكافي، ليس فقط باعتبارها الإبداع السياسي الأكثر أهمية في القرن العشرين، بل وأيضاً بوصفها الصفقة الأفضل على الإطلاق على كوكب الأرض. ولكن، إذا كان للأمم المتحدة أن تواصل الاضطلاع بدورها الفريد والحيوي في القرن الحادي والعشرين، فإن من المهم أن يتم رفع مستواها في ثلاثة جوانب أساسية.
من حسن الحظ، هناك وفرة من المحفزات لحمل زعماء العالم على القيام بكل ما يلزم. والواقع أن الأمم المتحدة حققت ثلاثة انتصارات كبرى مؤخراً، ومن المنتظر أن نشهد تحقيق انتصارين آخرين قبل نهاية هذا العام.
كان الانتصار الأول هو الاتفاق النووي مع إيران. وهذا الاتفاق الذي يساء تفسيره أحياناً باعتباره اتفاقاً بين إيران والولايات المتحدة، هو في واقع الأمر اتفاق بين إيران والأمم المتحدة، التي مثلتها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، بالإضافة إلى ألمانيا. وفي عرضه للأسباب الكفيلة بجعل دولته تحترم الاتفاق بكل دقة، تساءل أحد الدبلوماسيين الإيرانيين بوضوح: "هل تعتقدون حقاً أن إيران قد تتجرأ على غش أو خداع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والتي يمكنها أن تختم مصير دولتنا؟".
تمثّل الانتصار الكبير الثاني في الختام الناجح، بعد خمسة عشر عاماً، للأهداف الإنمائية للألفية، والتي أسست لأكبر الجهود وأطولها وأكثرها فعالية على الإطلاق للحد من الفقر العالمي. وقد أشرف اثنان من الأمناء العامين للأمم المتحدة على الأهداف الإنمائية للألفية: كوفي أنان، الذي قدمها في العام 2000؛ وبان كي مون، الذي تولى منذ أتى خلفاً لكوفي أنان في بداية العام 2007، قيادة الجهود الرامية إلى تحقيق هذه الأهداف بقوة وفعالية.
لقد حفزت الأهداف الإنمائية للألفية تقدماً مبهراً في مجالات الحد من الفقر، والرعاية الصحية، والالتحاق بالمدارس، والمساواة بين الجنسين في التعليم، وغير ذلك من المجالات. فمنذ العام 1990 (التاريخ المرجعي للأهداف)، نجحت الجهود في خفض المعدل العالمي للفقر المدقع بما يتجاوز النصف كثيراً، بحيث تجاوز تحقيق أول أهداف الأجندة المستوى المطلوب.
باستلهام نجاح الأهداف الإنمائية للألفية، تعتزم البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة في الاجتماع المقبل تبني أهداف التنمية المستدامة، التي تسعى إلى إنهاء الفقر المدقع بأشكاله كافة في كل مكان، وتضييق فجوة التفاوت بين الناس، وضمان الاستدامة البيئية بحلول العام 2030. وسيكون هذا هو الانتصار الثالث للأمم المتحدة في العام 2015، والذي يمكن أن يساعد في جلب الانتصار الرابع: التوصل إلى اتفاق عالمي بشأن التحكم في المناخ، تحت رعاية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، في باريس في شهر كانون الأول (ديسمبر).
إن القيمة الحقيقية للسلام والحد من الفقر والتعاون البيئي، وغير ذلك من الأمور التي باتت ممكنة بفضل جهود الأمم المتحدة، لا يمكن حسابها. ولكن، إذا كان لنا أن نضعها في إطار نقدي، فقد يكون بوسعنا أن نقدر قيمتها بتريليونات الدولارات سنوياً -على الأقل نسبة مئوية قليلة من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العالمي الذي يبلغ 100 تريليون دولار أميركي.
وفي المقابل، كان مجموع الإنفاق على أنشطة كل هيئات الأمم المتحدة -من الأمانة العامة ومجلس الأمن إلى عمليات حفظ السلام والاستجابات الطارئة للأوبئة والعمليات الإنسانية في مواجهة الكوارث الطبيعية والمجاعات وتدفقات اللاجئين- نحو 45 مليار دولار تقريباً في العام 2013، أو نحو ستة دولارات لكل شخص على كوكب الأرض. وهذه ليست مجرد صفقة؛ بل إنها تشير أيضاً إلى نقص كبير في الاستثمار. فبسبب الحاجة المتزايدة بسرعة للتعاون العالمي، لا تستطيع الأمم المتحدة ببساطة أن تكمل مسيرتها بميزانيتها الحالية.
لذلك، فإن الإصلاح الأول الذي أقترحه يتمثل في زيادة التمويل، مع مساهمة البلدان ذات الدخول المرتفعة بما لا يقل عن 40 دولاراً للفرد سنوياً، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بما لا يقل عن ثمانية دولارات، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بما لا يقل عن دولارين، والبلدان منخفضة الدخل بما لا يقل عن دولار واحد. وبهذه المساهمات التي تعادل نحو 0.1 % من متوسط دخل الفرد في المجموعة، تحصل الأمم المتحدة على نحو 75 مليار دولار سنوياً وتستطيع بالاستعانة بها أن تعزز من جودة البرامج الحيوية وقدرتها على الوصول إلى من يحتاجون إليها، بدءاً بتلك الحاجات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وبمجرد أن يصبح العالم على مسار قوي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فإن الحاجة إلى عمليات حفظ السلام والإغاثة في حالات الطوارئ، على سبيل المثال، يجب أن تنحدر مع تناقص الصراعات في العدد وتضاؤلها في الحجم، ويصبح في الإمكان منع أو توقع الكوارث الطبيعية بشكل أفضل.
يقودنا هذا إلى المجال الرئيسي الثاني للإصلاح: ضمان صلاحية الأمم المتحدة للاستمرار في عصر التنمية المستدامة الجديد. وعلى وجه التحديد، يتعين على الأمم المتحدة أن تعمل على تعزيز خبراتها في مجالات مثل صحة المحيطات، وأنظمة الطاقة المتجددة، والتصميم الحضري، ومكافحة الأمراض، والإبداع التكنولوجي، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الثقافي السلمي. ولا بد من دمج بعض برامج الأمم المتحدة أو إغلاقها، مع العمل على إنشاء برامج جديدة تابعة للأمم المتحدة، والتي ترتبط بأهداف التنمية المستدامة.
وتتمثل الحتمية الإصلاحية الثالثة في حوكمة الأمم المتحدة، بدءاً بمجلس الأمن الذي لم يعد تكوينه يعكس الحقائق الجيوسياسية العالمية. والواقع أن أوروبا الغربية والمجموعة الأخرى تمثل الآن ثلاثة من المقاعد الدائمة (فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة). وهذا يترك مقعداً دائماً واحداً لمجموعة أوروبا الشرقية (روسيا)، ومقعداً دائماً واحداً لمجموعة آسيا والمحيط الهادئ (الصين)، ولا شيء لأفريقيا أو أميركا اللاتينية.
إن المقاعد الدورية في مجلس الأمن لا تساعد في الحقيقة في تحقيق التوازن الإقليمي بالقدر الكافي. فحتى مع احتلال اثنين من المقاعد العشرة الدورية في مجلس الأمن، تظل منطقة آسيا والمحيط الهادئ ناقصة التمثيل بشكل كبير. ذلك أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تمثل ما يقرب من 55 % من سكان العالم ونحو 44 % من دخله السنوي، ولكنها تشغل 20 % فقط من مقاعد مجلس الأمن (ثلاثة من أصل خمسة عشر مقعداً).
إن التمثيل المنقوص لآسيا يفرض تهديداً خطيراً على شرعية الأمم المتحدة، والتي لن تزيد إلا بتولي المنطقة الأكثر ديناميكية وسكاناً في العالم دوراً عالمياً متزايد الأهمية. وتتمثل إحدى الطرق المحتملة لحل المشكلة في إضافة أربعة مقاعد آسيوية على الأقل؛ مقعد دائم واحد للهند، ومقعد مشترك بين اليابان وكوريا الجنوبية (ربما بالتبادل عاماً بعد الآخر)، ومقعد لبلدان رابطة دول جنوب شرق آسيا (لتمثيل المجموعة باعتبارها دائرة واحدة)، ومقعد رابع دوري بين الدول الآسيوية الأخرى.
مع دخول الأمم المتحدة عقدها الثامن، فإنها ما تزال تشكل مصدر إلهام للبشرية. ويظل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمثل الميثاق الأخلاقي للعالم، كما تَعِد أهداف التنمية المستدامة بتوفير علامات إرشادية جديدة للتعاون الإنمائي العالمي. غير أن تعزيز قدرة الأمم المتحدة على الاستمرار في تحقيق إمكاناتها الهائلة في قرن جديد كثير التحديات يتطلب التزام بلدانها الأعضاء بمساندة المنظمة بالموارد، والدعم السياسي، والإصلاح الذي يحتمه هذا العصر الجديد.

*أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ سياسات وإدارة الصحة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وهو مستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة للأهداف الإنمائية للألفية. من كتبه: "الثروة المشتركة"، وآخرها "عصر التنمية المستدامة".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق