"الخرافة" أقوى وأبقى: بين "شعرة الشيخ" و"دم الأستاذ"!

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً

د. نارت قاخون

يُحكى يا سادة يا كرام عن "قرية" كان لها "شيخ" كبير المقام، معظّم عند أهلها والقرى المجاورة، يأتيه الناس أفواجاً يتبرّكون به، ويستفتونه في أمور دينهم ودنياهم. وكانوا يأتونه بالهدايا والأعطيات حتى لو كلّفهم ذلك فوق طاقتهم وقدرتهم، فكم من رجل أهدى "معزته" الوحيدة لفضيلة "الشيخ" تقديراً واحتراماً وطمعاً بدعاء من الشيخ أن يوسّع عليه رزقه ويُخرجه من ضيق العيش! أو رقية تشفيه من مرض أو "عين" أو "حسد"!
كان هذا "الشيخ" مزاراً ومرجعاً، لا يخرج أهل القرية وما جاورها عن رأيه و"فقهه". ومضت أيامه وأعوامه على هذه الحال حتى رجع إلى القرية أحد أبنائها الذين درسوا في "جامعة المدينة"، فلمّا سمع أحاديث هذا "الشيخ" ذُهل لما سمع؛ فـ"أحاديث الشيخ" كلّها خرافات وأكاذيب وجهالات لا أصل لها في الدين والعلم الذي تعلّمه في "المدينة". ولما كان هذا الشاب من "أهل التنوير" ولا يقبل أن تشيع الخرافة وتسيّطر على عقول أهله والنّاس، أخذ يحذّر من "الشيخ الدجال"، ويبيّن بالأدلة والبراهين "خرافاته" و"أكاذيبه"، فهل وجد من أهله آذاناً صاغية وعقولاً واعية؟
كان الأمر على خلاف ذلك؛ فقد رفض أهل القرية كلام "الشاب" واتّهموه بـ"قلّة الدين"، و"ضعف الإيمان"، ووصفوه بـ"المنحرف فكريّاً" الذي أفسدته "المدينة" وأفكار أهلها، فكيف يتجرّأ هذا "الشاب" على القدح بـ"شيخهم" و"مفتيهم" و"بركتهم"؟!
وبلغ الأمر أن كاد أهل القرية أن يقتلوا الشاب ضرباً بعد أن سمعوا "شيخهم" يقول فيه: هذا ممن سحره "كلام الكفار" وتعلّم "الفلسفة والمنطق"، وهي علوم "الشيطان"، فجاء إليكم ليفسد عليكم "دينكم"، إنّه "يسفّه علماءكم وغايته تسفيه دينكم" فهل تسكتون عنه؟
نجا الشاب يومها بـ"حميّة" عائلته التي لم يهن عليها "قتل" ابنها ولو كان "كافراً" "مُهرطقاً" كما يقول "الشيخ".
غادر الشاب القرية إلى المدينة يائساً من "الإصلاح والتنوير"، فالتقى أستاذَه الذي علّمه وأرشده إلى موازين العلم ومناهج البحث العلميّ التي تميز "العلم" عن "الخرافة"، فشكا له ما جرى معه في قريته.
ابتسم "الأستاذ" ثمّ قال: يا بُنيّ إنّك شاب متحمّس متسرّع، تريد أن تُحدث التغيير في عقول أهلك بمجرّد محاولة أو اثنتين أو عشر! الناس في قريتك وما حولها ألفوا "الخرافة"، واعتادوا "الأكاذيب"، حتى صارت عندهم "حقائق" و"عقائد"، ولن يتأتى لك تغييرها بسهولة ويسر. ثمّ أنت تحاول أن تقنعهم بـ"المنطق" و"البرهان" وكأنّهم اعتقدوا هذه "الخرافات" بالمنطق والبرهان! يا ولدي لا يمكنك أن تقنع النّاس بالتخلّي عن معتقداتهم بالمنطق وهم لم يعتقدوا بها ابتداءً بالمنطق وأحكامه. عليك أن تأخذهم بالحكمة والصبر، بل بالدّهاء أيضاً، فـ"الخرافة" إن لم تستطع اقتلاع جذورها فيُمكن توظيفها لما تريد، وسأعلّمك كيف يكون ذلك عمليّاً، سأذهب معك إلى القرية وأريك كيف سينال هذا "الشيخ الدجال" عقابه بـ"الخرافات" التي يروّجها بين النّاس.
وصل الأستاذ وتلميذه ابن القرية إلى القرية صباح الجمعة. فلمّا اقترب موعد الصلاة ذهبا إلى مسجد القرية الذي كان ممتلئاً بالمصلين من أهل القرية وما حولها للاستماع إلى خطبة ذلك "الشيخ الدجال".
بعد خطبة "الشيخ" الممتلئة بـ"الخرافات"، وقف "الأستاذ" وسط المسجد قائلاً:
يا قوم، لقد منّ الله عليكم بنعمة عظيمة، واختصّكم بفضل كبير دون غيركم من النّاس. أتعلمون ما هو؟ إنّه هذا "الشيخ المبارك" -وأشار إلى "الشيخ الدجال"- هذا "الإمام وليّ من أولياء الله"، هذا "الشيخ" بارك الله كلّ شيء فيه، حتى إنّ "شعرة من لحيته" هي "حرز لكم وحجاب" يقي كلّ واحد منكم سوء الدنيا وتقلّبات الدّهر، ومَن نالها دخل الجنة من غير حساب!
هجم المصلّون على "الشيخ الدجال" ينتفون لحيته كلٌّ يريد "شعرة منها" ليتبارك بها ويتخذها حجاباً. حتى أتى المصلون على لحية الشيخ نتفاً والشيخ يصيح ووجهه يكاد ينفجر ألماً ودماً من وقع النتف.
اقترب "الأستاذ" من "الشيخ الدجال الكذّاب" وهمس له: أتترك الكذب والدجل، وتعترف للنّاس بأنّك "دجال" أم أتركهم ينتفون كلّ شعرة في جسدك؟
أومأ "الشيخ الدجال" برأسه موافقاً. فقال الأستاذ لأهل القرية المحتشدين: يا قوم، توقّفوا، اسمعوا لشيخكم ماذا سيقول لكم.
وقف "الشيخ الدجال" وعلى وجه "الأستاذ" علت "ابتسامة الانتصار والحكمة والدهاء". بعد بُرهة تكلّم "الشيخ الدجال" فقال: أأعلمكم بمن هو خير منّي؟ أتريدون معرفة "خير أهل زماننا"؟ إنّه هذا الإمام القطب الوليّ -وأشار إلى "الأستاذ"- أتعلمون أنّه لو شرب أحدكم من دمه قطرة نال الخلد وملكاً لا يبلى، وكان في الآخرة مع النبيّين في الفردوس الأعلى، قطرة من دم هذا "الأستاذ" تفتح لكم خزائن الأرض!
انقضّ الناس على "الأستاذ الداهية الحكيم" ينهشونه حتى يشربوا دمه؛ هذا يعضّه وهذا يجرحه بسكين أو بما في يده من أداة حادة، حتى أردوه قتيلاً وتركوه غريقاً في بحر دمائه.
في مكان قصيّ من المسجد وقف "الشيخ الدجال" مبتسماً يتحسّس وجهه "المنتوف" وهو يقول في نفسه: "لا بأس، أيام وتنبتُ لي لحية أخرى". وفي الجهة المقابلة وقف "الشاب" مذهولاً وهو يرى "أستاذه" يُقتل أمام عينيه.
ليست هذه القصة للأغراض الأدبيّة والفنيّة القصصيّة، لذلك لا بأس من ومضات اعتبار:
"الخرافات" أقوى وأبقى؛ إذا حاولتَ توظيفها من دون اجتثاث جذورها فستلتفّ عليك وتخنقك. فـ"العقل الخرافيّ" أو "اللاعقل الخرافيّ" يقوم على امتهان العقل والعلم، بل التناقض معهما، لذلك لو حاولتَ تغيير اتجاه "الخرافة" فسيظلّ محكوماً للخرافة واللاعقل الخرافيّ، وستكون كمن يضع "النفايات" في مزهريّة عوضاً عن سلّة المهملات، والنفاية هي هي في الحالين.
وأخيراً، فإنّ أشدّ "الخرافات" تلك "الخرافات" التي تتلبّس لباس "الدين" و"العلم"، وتجد مروّجيها ومصنّعيها يسبّون "الخرافة" ويدّعون "العلم والعقل"، فلا أحدّ يبيع "خرافاته" واسماً إيّاها بـ"الخرافة". لذلك، علينا أن نكشف هذه "الخرافات" المتلبّسة بالدين والعلم بأن نتزوّد بموازين العلم والمنطق والمحاكمة العقليّة السويّة السديدة؛ فـ"الخرافة" تكون كذلك بمخالفتها العقل والعلم والحسّ والمشاهدة، وليس بـ"اعتقاد" النّاس أو عدمه، فكم من النّاس مَن ينكر "معتقدات غيره" واسماً إيّاها بـ"الخرافات" متغافلاً عن "معتقداته الخرافيّة" التي يراها حقّاً وصدقاً وديناً وعلماً.

التعليق