في مفهوم بيع القيمة

تم نشره في الثلاثاء 8 أيلول / سبتمبر 2015. 12:00 صباحاً

لا أعتقد أن ثمة إشكالية في مخزونات البلاد واقتصادها، وآثارها وحضورها الإنساني في التاريخ القديم والحديث. فمن لديه حضارة الأنباط، وعبق التاريخين الإسلامي والمسيحي، بما في ذلك طريق الحج المسيحي وموقع المغطس، غني عن أي دعم ومساعدات من الآخرين. وهذه ثروات، لكنها تبقى مجمدة حتى يأتي من لديه قدرة على بيع القيمة.
لنتخيل، فقط لغايات المقارنة، لو أن البترا بكل سحرها وتفردها، كانت في أي دولة أوروبية. من الطبيعي وقتها أن تدر أعجوبة الصخر المليارات على السكان من حولها. إذ ستكون نقطة للجذب المعرفي والبحثي على مستوى الحفريات الأثرية والإنتاج العلمي ذي الصلة بالتاريخ والآثار، علاوة على استقطاب ملايين السياح من كل أنحاء المعمورة. لكن يجب أن يسبق ذلك تأسيس بنية تحتية حقيقية منافسة، تشمل مسارات الحركة والإقامة، وكيفية قضاء الوقت بالنسبة للسائح؛ مع تشغيل مناطيد و"تلفريك"، وإنتاج بانوراما تاريخية على شكل أعمال فنية راقية، وتقريب عشاق المدينة الوردية من حقيقتها في التاريخ، عبر تجسيد قصة تميز العرب الأنباط الذين قدموا البترا لنا.
وفق التخيل ذاته، فلو أن المغطس كان بحوزة الإيطاليين، ماذا كانوا سيفعلون؟ حتما سيحولونه إلى مقصد مقدس لملايين المسيحيين وغيرهم، ليستقطب بعد ذلك مليارات الدولارات بفعل المهتمين والمتدينين الذين سيبحثون فيه عن تفاصيل المسيحية الأولى.
أما عن التاريخ الإسلامي، فحدث ولا حرج. فكثير من صحابة الرسول الكريم مروا بمدننا وقرانا. وهناك أحداث جسام جرت على أرضنا، لها دلالات بالغة التأثير في تاريخ العالم. لكن حتى اليوم لا يوجد عمل فني متكامل يمكن تقديمه للأطفال وحتى للكبار في مؤتة، للحديث عن هذه الغزوة التي مكث خلالها جيش المسلمين آنذاك في معان، وصولا إلى سهل مؤتة في الكرك، وطبيعة البطولة والتضحية التي اتسم بها أداء القادة الذين رسموا طريق المواجهة للجيش، وفي مقدمتهم القائد العبقري خالد بن الوليد.
الكنوز متناثرة في كل زاوية ومدينة أردنية، تتقدمها أعمدة جرش، وعذوبة الأجواء وسحرها في عجلون. أما في شرق البلاد وجنوبها، فتمتد الصحراء لترسم قصة الأردني الذي صنع على امتداد عقود وطنا بات ملاذا لملايين العرب، فضلا عن أبنائه. وفي البحر الميت حيث النقطة الأكثر انخفاضا على وجه الكرة الأرضية، ما يزال تسويق هذه الثروة هزيلا.
ينقصنا الكثير لكي نؤسس في الاقتصاد وفي حياتنا، لثقافة راسخة عند آخرين، هي ثقافة "بيع القيمة". ومن دونها ستبقى القدرة على المناورة ضئيلة، كما سنبقى غير قادرين على تحقيق اختراق وجذب يمكنان الاقتصاد من التنفس خارج أطر المساعدات والتبعية للآخر.
"بيع القيمة" يكون بأشكال شتى؛ في البناء وتأسيس البنية التحتية تارة، وفي توفير سبل الرفاه والخدمة المميزة تارة أخرى. وقد يأتي هذا المفهوم الاقتصادي بكلمات أو خطاب. ومناسبة هذا المقال -حتى لا يقال إن الكاتب حالم وخيالي- جملة لرئيس الوزراء خاطب فيها مستثمرين خليجيين بالقول مؤخرا "نحن لا نتسول الاستثمار". كما رشح أول من أمس توجه حكومي يفيد بطلب الإذن من قبل غير الأردني الذي يريد تملك عقار في الأردن!
حتى "الأمن والأمان" قيمة يمكن استغلالها اقتصاديا، وبيعها بالمعنى الاستثماري.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام رائع .. نأمل ان يصيب مسمعا عند كل ذي شأن (ايمن البلبيسي)

    الأربعاء 9 أيلول / سبتمبر 2015.
    كل الاحترام لك عزيزي حسن لتناول هذا الموضوع الذي يعني الكثير في بناء معادلة التسويق الفعال وجذب الاستثمار وتحسس القيمة للكثير مما نملك على ارض الاردن المباركة والكنز التاريخي والجغرافي والبيئي والمجتمعي .. الخ، اول ما يجب ان يعرفة المسوق ، قيمة بضاعته ومميزاتها ، ثم طرق عرضها وجذب المشتريين ، والوسائل المتاحة اليوم عديدة وقليلة الكلفة وتأثيرها مبهر ... نأمل في اعادة هيكلة التفكير في التعرف على القيمة الثمينة لوطننا .. واختيار الكفاءات المناسبة لتحقق الانجاز ..