جمانة غنيمات

أمراضنا الافتراضية!

تم نشره في السبت 12 أيلول / سبتمبر 2015. 11:10 مـساءً

 تكشف المتابعة الحثيثة للتعليقات والآراء على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أفكار وردود أفعال لا يمكن وصفها إلا بـ"الشاذة"! وهي تشي بحجم "الأمراض الافتراضية" التي تعاني منها فئات واسعة من المجتمع.
السؤال هو: لماذا لم تظهر هذه الأمراض في حياتنا اليومية ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيما بدأت تتجلى بأبشع صورها من خلال هذه المواقع، إلى حد يثير مخاوف العقلاء، وأولئك الذين يتمتعون بحكمة تقرأ مخاطر هذه الأمراض الاجتماعية؟
الأشكال المتعددة لأمراضنا المستحدثة، أو المكتشفة حديثاً، عنوانها هو التطرف بكل تجلياته؛ طائفية ونزق وغضب ورفض للآخر، يُعبّر عنها بالتهديد والشتائم والقدح والذم، لدرجة لم نكن نتخيلها.
تفسير الظاهرة يحتاج قراءة تحليلية يجريها الراسخون في مواقع التواصل الاجتماعي، وعلماء النفس والاجتماع، أقله حتى يقولوا لنا أين ذهبت قيمنا المجتمعية الإيجابية.
وربما تقدم دراسة أجرتها مؤخراً جامعة "نوتنغهام ترينت"، تفسيرا جزئيا لما يحدث عندنا، إذ أوضحت نتائجها أن الحدود الاجتماعية تتلاشى في "فيسبوك" تحديداً، خاصة عندما يشارك المستخدم كل المعلومات الخاصة به مع الجميع.
تقول الباحثة البريطانية في العلوم الاجتماعية سارة بوغلس، إن "الأشخاص في الواقع يعرفون الذين يتعاملون معهم، وما الكلام الذي يصلح قوله أمامهم، في إطار الحدود الاجتماعية. لكن العالم الافتراضي يلغي هذه الحدود".
وأوضحت الدراسة ذاتها أن الأشخاص الذين تضم حساباتهم مئات الأصدقاء "الافتراضيين"، أكثر عرضة لتعليقات قد تدمر سمعتهم؛ ذلك أنه كلما زاد عدد الأصدقاء، بات من الصعب تحديد توجهاتهم وسلوكهم.
أردنيا، بات ممكناً قراءة مزاج الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي عموما. فمنذ لحظة بروز حدث جديد، تبدأ حرب التصريحات، وما يلبث أن يسن كل واحد سيوفه ورماحه. والغالب أن التعليقات تذهب في النهاية بعيدا عن الأفكار المفيدة والنافعة، إلا ما رحم ربي.
المزاج الأردني الافتراضي صعب ومعقد، ويصعب تقديم تفسير غير تقليدي له. إذ يمكن القول، مثلا، إنه يجسد أزمة الثقة بالحكومات التي تطورت بمرور الوقت نتيجة الإخفاقات المستمرة والوعود غير المتحققة. كما يمكن القول إن التفسير يتمثل في حاجة ملحة للتعبير عن النفس، في ظل غياب منصات التعبير الحقيقية؛ سياسية كانت أم اجتماعية. إذ يلعب تدني مستوى الحريات دورا أساسياً في اعتبار منصات التواصل الاجتماعي ساحة حرب يلوذ المرء بها في دفاع وهمي عن حريته.
وربما يكون السبب، أيضاً، آفاتنا الاجتماعية والاقتصادية، لاسيما البطالة بين الشباب الذي يشعر بالتهميش والإقصاء وغياب الأفق، فيملأ وقت فراغه الطويل وغير المنتج بالتعبير عن غضبه بهذه الطريقة.
أما التطرف في رفض الآخر، فهو تجسيد لغياب ثقافة الديمقراطية واحترام الآخر ورأيه المخالف وحتى المناوئ. هنا تحديدا، تذهب الآراء إلى زوايا أكثر خطورة، تصل حد التخوين والتشكيك، ولتبلغ ربما مستوى إعدام الآخر افتراضيا.
الطائفية؛ هذا المرض البغيض الذي مزّق مجتمعات عربية وقطّع أوصالها، باتت تتسلل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتجد لها حضورا. فهي وإن كانت مدانة من كثيرين، إلا أن الحقيقة أنها وجدت فرصتها لرفع رأسها، وثمة من يحصدون شعبية ملوثة باستخدامها.
كل هذه الأمراض صارت جلية، ولتكشف لنا التكنولوجيا الحديثة حجم العطب فينا. الأمر الذي يحتاج إلى إدانة هذه الأمراض، خطوة أولى نحو استئصالها.
ربما نكون مجتمعات حديثة العهد بهذه التكنولوجيا التي غزتنا قبل أن نتحضر ونجهز المجتمع للتعامل معها، حتى نتجنب آثارها الكارثية؛ وأول الأخطاء كان تقليص منسوب الحريات بدلا من زيادتها. وليكون الخطر الأكبر هو أن تغدو التكنولوجيا الحديثة سبباً لتقسيم المقسم، وزيادة مشكلاتنا وتعمقها، بدلا من أن تكون بوابة واسعة للعلم والمعرفة والحوار العصري المتمدن؛ أي أن تغدو أداة هدم عوضاً عن كونها سبيلاً للبناء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هي أسباب التطرف والتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي ؟ (د. عاصم الشهابي)

    الاثنين 14 أيلول / سبتمبر 2015.
    إضافة الى مقال الكاتبة جمانة غنيمات "أمراضننا الأفتراضية " يظهر لي أن هناك جهات أجنبية تساهم بحملة التطرف والتشهير في كل مناسبة سانحة لها بإرسال عشرات الرسائل المحلية والخارجية وبأستعمل أسماء خفية أو وهمية لأخفاء أسم المرسل الحقيقي. فالمفروض أدبيا، أن يكون صاحب الرأي الآخر شجعا ويدون رأيه مع أسمه الصريح ، كما يفترض من مواقع التواصل الأجتماعي أن تتأكد من هوية ومصادر الرسائل الإلكترونية التي تبث روح الكراهية والحقد البغيض بين مكونات المجتمع . وهنا أشير الى مقالات الموسيقار والمفكر اليهودي الحر جيلاد أزمون Gila Atzmonالذي هاجر من إسرائيل وأصبح مواطنا بريطانيا، وهو يرفض الصهيونية والإحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ويكتب بأستمرار على موقعه الخاص معلومات قيمة حول أهداف الصهيونية التي تسعى لتدمير الدول العربية وخلق الفوضى والفتن بين شعوبها ، وهو أيضا يؤكد أن البليونير اليهود الأميركي سوروس يدعم مؤسسات مجتمع مدني في عدة دول عربية تعمل للتأثير على أفكار وأخلاق الشباب العربي. وبهذه المعلومات، يمكن أن نفترض أن قسما من المشاركين في حملات التطرف بكافة أشكالها البائسة على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها لا يمكن أن يمثلوا حقيقة نبض وفكرالمواطن الأردني الشريف الذي يعرف الغث من السمين، ويعرف أيضا أن هناك أعداء يتربصون بالأردن، ويعملون بالظلام للتشويش على نعمة الأمن والأستقرار فيه . وطبعا ، يجب أن نذكر، أن هناك قسما آخرا من المشاركين يكتب ببراءة وحماسة لأنه يجهل أسباب الأحداث السياسية اليومية، وتنقصه معرفة تاريخ الوطن، وآخرين لم يتم تثقيفهم وتدريبهم في البيت والمدرسة والجامعة ومركز العمل على أحترام حرية النقد والرأي الآخر، وبأن النقد يجب أن لا ينشر الحقد والفتنة بين أطياف المجتمع أو يؤدي الى أغتيال الفرد أو شيطنة المؤسسة الناجحة كما حدث لقناة لرؤيا منذ أيام لمجرد أنها بثت برنامج يمكن الأختلاف حوله قليلا أو كثيرا.
  • »الدين لله و الوطن للجميع (خلدون)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2015.
    الدين لله و الوطن للجميع .. هذه الجملة هي مفتاح الحل التي لا يزال بعض الشيوخ يحاربها بطائفيتهم.
    متى سنفهم هذا الكلام و نتيقن بان ألإختلاف قوة و ليست انتقاص من قيم المجتمع "الواهية".
    حاربوا افكار الشيوخ يستقيم المجتمع
  • »مقال رائع (هلسه)

    السبت 12 أيلول / سبتمبر 2015.
    شكراً جزيلاً أستاذه جمانة على المقال الرائع .