جمانة غنيمات

تكنولوجيا المعلومات: قصة إخفاق

تم نشره في الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015. 12:10 صباحاً

واعدة كانت النظرة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قبل نحو عشر سنوات. إذ كانت الخطط والرؤية تتحدث عن قطاع واسع الآفاق، قادر على توفير فرص عمل كثيرة، وجَعْل الأردن علامة مميزة في هذا المجال.
لكن كما هي الحال مع معظم قضايانا؛ يأتي الحديث متفائلا ومغريا بمستقبل مشرق، لكن النتائج، وللأسف، متواضعة دائماً! تعرّي المنظّرين، بأن تكشف عظم القدرة على طرح الأفكار النظرية، في مقابل فقر في التنفيذ، عماده غياب الإرادة لذلك.
هكذا كان أن قطاع الاتصالات استراتيجي لدينا، ومؤهل لأن يصبح مركزيا على مستوى الإقليم إن لم يكن العالم ككل. أما النتيجة بعد سنوات من سوء التنفيذ، فجيش من المتعطلين عن العمل، نتيجة تخريج طلبة غير مؤهلين لدخول السوق.
الدراسة الحديثة التي تناولها الزميل إبراهيم المبيضين في ملحق "سوق ومال"، أمس، حملت نتائج محبطة. إذ تشير إلى أن 90 % من خريجي تخصصات الاتصالات وتقنية المعلومات الأردنيين سنويا، لا يحصلون على وظائف في الشركات العاملة في تكنولوجيا المعلومات، لأسباب تتعلق بنقص المهارات الفنية والسلوكية، كما عدم امتلاك مهارة اللغة الإنجليزية.
وهذه الدراسة التي أجرتها "جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات" (إنتاج)، وجّهت صفعة قوية للرؤية الطموحة التي أغرقتنا بها الحكومات لسنوات، وكانت تتحدث عن مشهد مختلف؛ فبدلا من جعل القطاع رافدا لفرص العمل للشباب، بات مقبرة لطموحاتهم.
فالمشكلة أن "تكنولوجيا المعلومات" صار كغيره من القطاعات العاجزة عن توظيف الشباب، إذ يستوعب 10 % فقط من الخريجين البالغ عددهم 600 خريج سنوياً، رغم أن القطاع يشكل نحو 12 % من الناتج المحلي الإجمالي.
أين أخطأنا؟
العنوان الرئيس للأخطاء لا ينفصل عن غياب المتابعة، والمحاسبة أيضا على القصور في التنفيذ. فالأفكار الطموحة كثيرا ما تخرج من عقول الأردنيين، لكنها لا ترى النور هنا في وطننا، بل غالباً في بقعة أخرى تتسم بالاجتهاد في العمل والإنجاز، ومثال ذلك المدن الإعلامية والحكومة الإلكترونية، وأخيرا هذا القطاع.
إذا كانت أسباب ذلك متعددة، فيظل أهمها تراخي الحكومات، وما يندرج تحته من تراجع مستوى التعليم العام، وبالنتيجة التعليم العالي. وقد ساهم في ذلك الإخفاق أيضا المبالغة في ترخيص كليات في الجامعات من دون مراعاة الحد الأدنى لمعايير الكفاءة؛ إذ ما تزال بعض الجامعات تدرس مناهج أكل الدهر عليها وشرب وانقرضت منذ سنوات، وليتخرج بالنتيجة آلاف الشباب من هذا التخصص لا يمتلكون بدورهم الحد الأدنى المطلوب للمنافسة.
فكرة التدريب والتأهيل ليس لها قيمة محليا. فتكاد تكون غائبة الشركات التي تجهد في إعادة بناء كفاءات الشباب، أو هي غير معنيّة بمعالجة الضعف الذي يرافق الخريجين، ما أدى إلى تفاقم المشكلة أكثر.
وقد ساهمت السياسات الحكومية الجبائية في التعامل مع القطاع بهروب كثير من الشركات العاملة فيه. فخلال عامين، غادرت السوق أكثر من 100 شركة. إذ أدى قانون الضريبة الجديد خصوصاً، إلى إغلاق شركات عاد بعض أصحابها والعاملين فيها إلى طابور المتعطلين عن العمل، فيما قرر آخرون الهروب إلى بلد يجدون فيه بيئة حاضنة مناسبة؛ تستوعب الإبداع والتطوير، ولا تستهدف فقط جلب الموارد المالية للخزينة.
ما بلغه القطاع محبط أكثر من غيره. ربما لأن تطويره وتوسيع قاعدته كانا سيلعبان دورا في حلّ مشكلة البطالة أكثر من قطاع العقار والإنشاءات، مثلاً، الذي لا يفضله الأردنيون.
قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، للأسف، يلخص لنا نتاج عمل الحكومات، وفشلها في إعادة هيكلة الاقتصاد وتطويره كاقتصاد خدمات، يملك القدرة المعرفية والبشرية على التوسع حتى خارج مساحته الصغيرة.
لكن الفشل كان جماعيا أيضا؛ فالحكومات أخطأت وكذلك الجامعات. وإعادة القطاع إلى طريق الصواب تحتاج إلى كثير عمل. والحلول موجودة، وقدمتها "إنتاج" في الدراسة ذاتها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجامعات توسع المدارك ولا تزيد العلم (Osamah)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    للأسف دائما انصح ابن أخي ( خريج تكنولوجيا المعلومات) بان يطور نفسه باخذ الدورات خارج اطار الجامعة
    نظرا للتخلف الواضح الذي تعانيه بعض الجامعات في نوعية خريجيها

    كيف لا وهمهم الأكبر هو اعداد الطلبة وليس نوعيتهم
  • »تخابط (م. فيكن اصلانيان)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    كاتبتي الكريمة
    ليس فقط قطاع تكنولوجيا المعلومات في تراجع ملحوظ من حيث الانتاجية والكوادر المؤهلة وبرامج تأهيل الافراد والشركات الناشئة وهروب الشركات العاملة.

    لو تفحصنا قطاع السياحة لوجدنا فشل في تسويق برامجنا لاستقطاب السياح ببرامج ما تتعدى البتراء وجرش.

    قطاع الصناعة يعاني الامرين من ضرائب وبيروقراطية نستطيع التعايش معها ولكن توقيع اتفاقيات حرة مع دول قوية اقتصاديا وصناعيا قتلت صناعاتنا التي بمجملها تحويلية وليست راسمالية، والشركات التية تمتلك سلعا قابلة للتصدير لا تملك القدرة على المشاركة بالمعارض لترويج منتجاتها.

    في وضع كهذا، لا نجد الا البنوك تعلن عن ارباح وقد يكون سببها جزء ما تم ذكره اعلاه، وكمثل ايجابي، لنرى ما فعله قطاع الادوية وكيف نجحت، وذلك لتطبيق دعم اسباب نجاح هذا القطاع على القطاعات الآيلة للنجاح وتجنيبها الفشل.

    للحكومة دور، والقطاع الخاص دورين، ولكن يبدو في هذه الثلاثية ان دور الحكومة اصبحت سلبية بالرغم من الصور الباهية التي ترسمها ماكينتها الاعلامية .
  • »شهادات بدون مؤهلات (د. محمد يعقوب خواج)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    كذلك الحال في مجالات الدراسات البيئة المختلفة جيش من المتعطلين عن العمل، نتيجة تخريج طلبة غير مؤهلين لدخول السوق. لا يحصلون على وظائف في الشركات العاملة في البيئة المختلفة، شهادات بمختلف المسميات اراضي وبيثة، مباه وبيئة، ادارة بيئة، حماية بيئه’، تنقية مياه وبيئة، هندسة...الخ، لأسباب تتعلق بنقص المهارات الفنية وعدم اتقان اللغة الإنجليزية المهنبة. حيث لم اتمكن من توظيف اردنيين خلال عملي بالسعودية وسلطنة عمان رغم الرغبه الهارمة بتفضيلهم ان وجدوا!!!!
  • »العتب ع مين (صخر)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    مقال رائع واتمنى من الوزيرة الموقرة ان تقرأه...ولكن العتب ع مين ولا مين فللأسف أغلبية وزراء قطاع الاتصالات كانوا "غايبين طوشة" ولا لهم صلة بالامور التي تم التنويه لها بالمقال وأتمنى أن يأتي اليوم لمحاسبة الوزراء السابقون بمخرجاتهم ونتائج اعمالهم وال KPI فالقصور بالعمل الجماعي بين الوزارات والجامعات في وضع منهجية واستراجية كاملة. وحتى "انتاج" مع الشكر لدراساتهم لا يوجد متابعة والهدف عمل دراسات لصرف مبالغ من المال ضمن معونات اجنبية....الخ يجب من صانعي القرار الوقوف عند هذا المقال لجميع القطاعات وشكرا
  • »جنون (بسمة الهندي)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    Einstein’s definition of insanity; doing the same thing over and over again and expecting different results
    الجنون كما يعرفه اينشتاين هو أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً منتظراً في كل مرة أن تحصل على نتائج مختلفة.
    مقال جداً مهم استاذة جمانة.