عيسى الشعيبي

كان يوما من أيام فلسطين

تم نشره في الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015. 12:06 صباحاً

كان العاشر من شهر أيلول (سبتمبر) الحالي (يوم مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفع علم فلسطين أمام مقر المنظمة الدولية)، يوما نادرا من أيام فلسطين. وكان أيضا لحظة مضيئة، قلّ نظيرها وسط هذا الليل الطويل؛ لحظة قد لا يعي قيمتها ولا دلالاتها الرمزية سوى ذوي الفتيان الشهداء، ممن قضوا في زمن انتفاضة الحجارة المجيدة، وهم يرفعون العلم المصادر فوق أعمدة الهاتف والكهرباء في شوارع القدس وميادين الضفة والقطاع.
وأحسب أن هذه الخطوة التي أتت في إطار اشتباك دبلوماسي يتواصل بكفاءة وفاعلية ونجاح، مثلت نقلة نوعية صغيرة، لكنها مهمة، على درب التحقق الذي ما يزال طويلاً، تنقبت فيه أجيال من المناضلين والمناضلات طريق النمل، بدأب وتضحية وصبر وإصرار، في مشهد كفاحي مديد، يحاكي نهج أضعف الكائنات الحية، وأشدها إيثاراً ونبذاً لليأس، حين تتخطى هذه المخلوقات المدهشة كل العوائق، ولا تعرف التعب أو الكلال، حتى تصل إلى هدفها النهائي.
إذ بعد طول إقصاء وتهميش وخذلان، بلغ حد الإلغاء والشطب والنكران، راح من ساروا بفطرتهم على طريق النمل زرافات، وتمثلوا بغريزتهم الأولية صبره الاستراتيجي، يستجمعون شتات الذات المضيّعة، والبقية الباقية من الذاكرة المستباحة، والروح العصية على الانكسار، كي يبدأوا من تحت نقطة الصفر عملية استعادة الهوية، ومراكمة سلسلة لا حصر لها من المكاسب الجزئية، إلى أن عادوا بتؤدة إلى خشبة المسرح الذي طردوا منه شر طردة، وعبروا من غياهب التاريخ إلى ضفاف الجغرافيا، بكل جدارة واستحقاق.
ولا يتسع المقام أساساً لتتبع أثر دبيب أسراب النمل الذي ثابر على طريق الإياب، وليس هناك حاجة لمراجعة صفحات كل تلك السنين المفعمة بالإخفاقات الكبيرة والانتصارات الصغيرة، كي نقف على كيفية انتقال هؤلاء المضيعين من هامش الهامش إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط مشاهد تدعو للاعتزاز. فقبل ثلاثة أيام فقط، تجلت تحت خيمة أردنية باذخة، صورة تعكس بإيجاز شديد حكاية طريق النمل، التي أوصلت مسيرة شعب فلسطين، شبراً وراء شبر، ونقلة إثر أخرى، إلى رفع العلم على أعلى الساريات.
ففي احتفال سنوي تنظمه مؤسسة فلسطين الدولية، لتخليد ذكرى كوكبة من المبدعين الفلسطينيين الكبار، من خلال توزيع جوائز تقديرية لرهط من الشباب العرب المميزين في مختلف حقول الأدب والفن، حضر المكرمون: غسان كنفاني، وسميح القاسم، وإدوارد سعيد، وأحمد الشقيري، وجمال بدران، ووليد الخطيب، وناجي العلي. كما عرجت هذه الفعالية التي رعتها وزيرة الثقافة الدكتورة لانا مامكغ، على محمود درويش، وإسماعيل شموط، وفدوى طوقان، ومعين بسيسو، وغيرهم من القامات السامقة التي أسهمت بالكلمة والريشة والفكرة الخلاقة، في تشكيل الوجدان الوطني، وبناء القوة الناعمة، لإعادة بعث فلسطين من تحت رماد الحريق الكبير.
وليس من شك في أن إسهامات هذه الكوكبة من الأدباء والمثقفين، لا تقل أهمية عن دماء وجهود وتضحيات كل الذين شاركوا في تحقيق هذا الإنجاز ذي المغزى الكبير، سواء أكانوا من الشهداء والأسرى، أو غيرهم من قوافل المناضلين، الذين سترفرف أرواحهم، وتشد أيديهم على ساعد الرئيس محمود عباس، محتفين وإياه مع عموم العرب والفلسطينيين، بعد نحو أسبوعين، برفع علم فلسطين أمام مقر الأمم المتحدة، وسط تزاحم عدسات المصورين، وابتهاج ملايين المتطلعين إلى يوم حرية وخلاص قريب.
ولعل دهشة الوزيرة الصديقة الدكتورة مامكغ حيال انتظام الفعالية السنوية، التي يقف وراءها الدكتور أسعد عبدالرحمن كقوة دفع متقدة، وطاقة ذاتية الاشتعال، وتنويه الراعية بحضارية المناسبة، وبمغزى الجهود المنسقة خلف هذه الاحتفالية، إن لجهة تشكيل اللجان المكلفة بتقييم الأعمال، أو لجهة تمويل الجوائز بعشرات آلاف الدولارات، من جانب رجال أعمال أردنيين وفلسطينيين، فضلا عن إقامة الحفل الثقافي بإتقان، نقول لعل هذه الدهشة المفعمة بمشاعر التقدير والإعجاب،  تعكس أفضل الانطباعات المتكونة عن حسن الأداء الفلسطيني العام، وعن نجاعته المشهودة، حين يتم الترفع عن الذهنية الفصائلية، ويمضي الجميع، كل من موقعه وحسب مقدرته، على طريق النمل المتعرجة الطويلة، لبعث فلسطين بكل رموزها الوطنية، بما في ذلك علم فلسطين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الزمن لاينتظرو دبيب النمل لايطعم فيل" (يوسف صافي)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    بداية طهر القضية وقداستها لايسمح برفع علم (اسم دون مضمون) في باحة منظمة شرعنت لوليد غير شرعي سرق الأرض وطرد اهلها وهوّد مقدساتها ومازال قولا وفعلا مصّر على دفين اهدافه من النيل للفرات؟؟وكفانا اتكالية وتغيير المسار ولوجا لمحو القضية من الذاكرة مع مرور الزمن واو صعوبة اعادة الحق ل اهله ؟؟وهذه حجج الغيرقادر وصدق المثل "قليل العقل والحيلة يرضيه معسول الكلام ووهج الألوان دون قراءة مضمونها؟؟؟؟؟ وان كانت كل التضحيات التي اشرت وبعد مرور مائة عام لم تأتي سوى بالعلم (لون دون مضمون ) كم من الزمن نحتاج لعودة اهل البلاد الى ربوعها؟ ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"
  • »في اتحادكم قوة لكم ، ضعف لعدوكم (عبد الحميد محمود ابراهيم حسن العرب)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    نريد إبراز القرى التي مسحها العدو الصهيوني ( يالو ، عمواس ، بيت نوبا ) حيث لنا حق العودة والتعويض لبلدنا . والله الموفق .