د. جاسم الشمري

سلاماً أيها البعيد القريب!

تم نشره في الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015. 12:05 صباحاً

أيها الوطن المسافر في أعماق روحي ووجداني، كيف يمكنني أن أصف لوعتي واشتياقي ولهفتي التي ملأت أركان روحي، ومسامات عقلي وفكري؟! لا تظن يا وطني الجريح -حينما اضطررت للرحيل بعيداً عن حضنك الدافئ الآمن، وربوعك الخضراء، وأرضك النقية- أنني زاهد بعشقك وحبك! لكنها الأيام والأقدار تلعب بالإنسان كما تلعب الرياح بورق الأشجار عند هبوبها، وعصفها!
ضياع، وحنين وغربة، وآلاف الأميال بيننا، وحدود ملغمة، وعصابات منظمة، وجواز سفر صار بحد ذاته تهمة! ورغم كل هذه المطبّات والعوائق، تبقى يا وطني نبض قلوبنا، ونور عيوننا، ومهجة أرواحنا، والخيمة التي تسعنا جميعاً!
حاول شياطين الإنس دفعنا لضفة الموت والقتل والخراب، والعبث بك؛ واتهمونا -بسبب حبك- بالإرهاب. لكننا صمدنا، لأننا تعلمنا منك الثبات والحزم! هؤلاء الأشرار لا يعرفون منْ أنت بالنسبة لنا! وأنا لا ألومهم، فهم -ربما- ينظرون إليك على أنك البقرة الحلوب التي تدر عليهم مليارات الدولارات! وهم لا يدرون أنك الأم والأب والأخ والأخت، والحبيبة والصديق، وكل القيم والمبادئ، وأنت الكون الشاسع من أقصاه إلى أقصاه!
يا وطني أنت بالنسبة لنا نبع للحنان والحب والنقاء، ولا يمكن أن نتنعم بحياتنا بعيداً عن ترابك الطاهر! رغم التفجيرات، ورغم الخراب، ورغم الاغتيالات والاعتقالات والإرهاب، ورغم امتزاج مياه دجلة والفرات بدماء الأبرياء من أهلنا، ورغم كل المآسي، ستبقى يا عراقنا الحبيب أجمل وأطيب وأروع الأوطان! وستبقى روضة للحب جمعتنا -وستجمعنا ثانية- في يوم من الأيام!
قالوا أرهقتك الكروب، وغيرتك الكوارث، ويبّست قلبك الخطوب! وأنا لا أستطيع أن أتقبل هذه الفرضية! فلا يمكن أن أتصور أنك تعرف الكراهية والبغضاء لأحبابك الذين رووا أرضك بدمائهم، وباعوا أرواحهم رخيصة من أجلك! لا يمكن أن أتقبل انك ترفضهم وتطردهم، ولا تحتضنهم! كيف ذاك، وأنت عراق الحب والصمود والحضارة!؟ فلا يعقل أن قلب الأم يكون نبعاً للكراهية! ولا يمكن تصور أن العطشان يفر من الماء إلى الرمضاء! ولا يمكن تقبل استمرار حياة الإنسان من غير غذاء وهواء!
في زمن التفجيرات ربما يهرب بعض أبنائك شرقاً وغرباً، لكنهم مستغربون كيف سمحت لهم بالرحيل، وهم أبناؤك وروحك وحياتك! منْ الذي علمك هذه القسوة يا وطني الحبيب؟! منْ الذي نثر أوراقك الخضراء في عزّ الربيع؟! منْ الذين استعانوا بالغرباء عليك، وحاولوا تدنيس طهرك؟!
يا وطني:
شرايين قلبي، فكري، آهاتي، أحزاني، أفراحي، أتراحي.. جميعها تناديك، فلماذا الصمت في زمن البوح والحضارة الزائفة؟! متى سيكون موسم اللقاء، يا وطني الساكن في الأضلاع؟! متى ستكون لحظات العناق يا بلدي السليب؟! متى ستندمل جروحنا بتراب أرضك النقية؟! متى ستغسل دموع الفرح همومنا؟!
أيها القمر الساطع في هذه الليلة الهادئة: احمل أشواقي لتلك الديار، لتلك العيون الكريمة، لتلك الأرواح النقية، لتلك المياه العذبة، لتلك البساتين البهية، لتلك الذكريات التي توارت في قبور الظلم والغربة والاستبداد! احملها -أيها القمر- ولا تبخل عليّ، فما لي حيلة إلا سبيلك لعلي أستعير عيونك لأرى بلدي كما تراه الآن!
أيها الوطن الجريح الحبيب: اشتياقي إليك أكثر من اشتياق الأرض الجدباء لمياه الأمطار! وأقوى من حلم العليل بالعافية!
وأشد من مصارعة الغريق لأمواج البحر العاتية! وأشد من لهفة الأسير للحرية!
أيها الوطن البعيد القريب، الحبيب القاسي، يا جرحي وبلسمي، يا تاجاً يزين هاماتنا، يا زينة نفاخر بها الدنيا، يا روحاً تملأ أجسادنا وعقولنا حباً وخيراً وأملاً، ستبقى عيناك بحرين من الأمل، ورموشهما قوارب النجاة إلى حيث اللقاء المرتقب في يوم ما في هذا الزمن الغريب.
يا وطني: دقات الساعة تؤرقني، ترهقني، تقلقني، تخبرني أن السنون تجري من غير أن نلتقي، فهل هذا قدرنا أن لا نلتقي؟! أم أن الأيام ستجمعنا على ثراك في يوم من الأيام. لا أدري لكنني ما أزال أحلم باللقاء لعله يكون غداً؟!
سلاماً أيها القريب البعيد، يا وطني، يا عراق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سلاما ايها القريب القريب (بسام الجبور)

    الأربعاء 16 أيلول / سبتمبر 2015.
    عزيزي د. جاسم
    ان ما هو قريب منك وبعيد عليك هو قريب من قلب كل حر أبي إنه العراق العظيم
    عظيم بشعبه عظيم بمحبيه عظيم بكيانه الحقيقي لا الزائف المزيف
    فاطمأن
    وقل سلاما ايها القريب القريب لان نصر الله اقرب من خيانة الخائن واقرب من كيد المحتل
    ولا تحزن ياعراقنا العظيم فهناك من يحملك في قلبه اينما حل وارتحل
    وهنيئا لذلك البلد بهؤلاء المخلصين الذين يشع نور صدقهم رغم ظلام اقنعة الخونه
    حفظ الله لنا العراق وحفظ لنا اهل العراق
  • »العراق عشقي (ابتسام الغالية)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    انا عراقية والعراق عشقي أعيش داخل العراق روحا وجسدا واتمسك بترابه حتى يواروني به
    هل سمعتم يوما أحد يعيش داخل الشيء ويفتقده! !!!
    نعم أنا أعيش داخل العراق وافتقده فكيف بمن تركه مجبرا لابطرا فكيف لهذا أن يفتح عيناه صبحا بعيدا عن عيناه كيف له أن يشم رائحة تراب غيره فسلاما أيها القريب البعيد ياوطني العراق صبرا جميلا عسى الله أن يردهم جميعا وتحتويهم مفردا وجماعة وتسكنهم في حضنك الدافئ وتظلهم بظلك المخملي وتعزف لهم على قيثارة الحب الذي تتدفق من بين ثناياك ياوطني الغني بابناءك الفقير بمن رحل عنك مكره
    ستبقى ياعراق روحي التي لم تهدىء الأبعد أن تذوب بروحك ولم ترتوي الأمن نبع حياضك ومااسعدها من لحظه عندما تحتضني بلهفة عاشق وتضم صدري لصدرك كل ذالك لأني أحبك وساستمر بحبك واترقب لقاءا يجمع بينك وبين أبنائك الذين اضناهم الفراق والبعاد عنك فما اجمله من لقاء يجمع بين الروح والجسدي لأنهم لم يغادروك مجتمعي وإنما غادروك أجساد فقط وتركو لك الأرواح ترفرف فوق هامتك الشامخة
    لعذوبة المقال أريد أن استمر بالاسترسال دون إنقطاع
    لكن لابد أن أقف عند حضرت الكاتب الذي اطربنا بكلماته عن عشقنا الأوحد العراق كما تطربنا فيروز بااجمل الأنغام عند الصباحي
    فشكرا لك ودام قلمك الحر وعاش وطني العراق برجالا امثالك
  • »الوطن (د.سلمان الناصري)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    اخى العزيز د.جاسم كتبت فاحسنت وعبرت عما يعتصر قلوبنا خير تعبير وأفضل انى إذ أشارككم كل كلمة وحرف وخلجة نفس أضيف. إذا كان لديك زوجة صالحة تطمح الاستمتاع والعيش الهند معها تحتاج إلى وطن يجمعهم بالأمن والسلام والمحبة والوئام. وإذا كان لديك أولاد حلوين تطمح العيش السعيد لهم وبهم ومعهم تحتاج لوطن يترع رون فيه واذا كان لك أموال تصرفها واطباق تعمرها تحتاج إلى وطن !!!دون ذلك خيمة العز والكرامة والأمن والسلام تزول تصبح عاري من كل شيء مسبح لمن هب ودب .تصبح لاجئ. مقيم متهم عرضة للمطالبة بأوراق الثبوتية في كل عطف طريق.تذوب روحك وتيبس عروق ويموت قلبك!!!دموعك تنساب مع أول كلمة وصوتك يتعشوا أو يخفى مع كل محادثة !!!الضحكة تختفي من محياك ليحل محلها الانكسار والحسرة لا يعد للأكل طعم ولا للجمال منظر كل شئ فى الحياة يصبح اسود في اسود صحراء جرداء مجدية ليكن الله معنا ويرحم. لا أستطيع الاسترسال وشكرا
  • »وطن جريح ينزف في داخلنا (الصحفية باسمه العابد / الطائر المهاجر)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    تحية لعباراتك التي وصفت مافي داخلنا ومانعيشه دكتور جاسم كل التقدير لقلمك الفارس بصهيله رغم الجراح كما قلت عراقنا تم خداعه من قبل الساسه الجالسين على كراسي الحكم اكلين قوت الشعب شاربين دماء الشعب حملين سلاحهم لقتل الشعب عراقنا في داخلنا لكنه ينزف منذ 13 سنه ومالزال
  • »مشاركة واعجاب (د مهدي الكبيسي)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    من يقرأ هذه الكلمات التي لا تستأذن احدا حين دخولها لالمس شغاف القلب وتعبر عن مكنونات كل غيور مخلص محب لوطنه
    انها المرة الاولى التي اعرف فيها ان اخي الدكتور جاسم يكتب مقالا ينافس فيه غزل شعراء الجاهلية ولقد شدني كثيرا وصدمت حين انتهى المقال تمنيت لو انه طال اكثر فاكثر فقد جعلني اسبح في خيالات وامال نحاول نسيانها لشدة ما قاسينا. تحية من القلب وعسى ان يكون لقاءنا مع محبوبنا المشترك قريبا وعاجلا وما ذلك على الله ببعيد
  • »وللعودة زمن (نور الاردن)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    دمت مبدعا د.جاسم .. مقال جميل جدا وغني بالمشاعر الطيبة والصادقة..
    ان شاء الله تعود العراق مجدا كمان كانت واقوى .. وان شاء الله بترجع باقي دول العرب بعزة الاسلام
  • »..الفظهم.. (هناء ابراهيم)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    بين قلبي وقلبك سرنا ...فقد حللت فيك وحللت فيّ. ...
    خنت رجلي معك ...وخنتك مع رجلي ...فكان أن قبلنا هذا العشق الثلاثي العبقري ...
    لا مناص إذاً إلا أن تلفظهم مثلما لفظناهم ... حتى تستعيد شجرة آدم وحواء جنتها ...وجنتها هي العراق
  • »عراقنا (ذكرى محمد نادر)

    الثلاثاء 15 أيلول / سبتمبر 2015.
    هذا وطن يسكن بنا حتى وان لم نسكن فيه, كلماتك تذكرني بروح اخرى تشبهك كانت تحمل الوطن في روحها حتى حملها هو في كنف ترابه. مقالة بالغة الرقة. مودتي للكاتبة