للذين لا يعلمون

تم نشره في الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2015. 11:00 مـساءً

محمود الشيبي

الأردن هو نتاج الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف الحسين بن علي من مكة المكرمة في 10 حزيران (يونيو) 1916، من أجل حرية العرب، ضمن دولة عربية واحدة موحدة تضم بلاد الشام والعراق. وقد كابد الشريف الحسين بن علي، وأبناؤه الغر الميامين، كرّم الله مثواهم، من أجل مشروع نهضوي عربي، يضع الأمة العربية في مكانها الصحيح الذي يليق بها بين الشعوب. لكن الإنجليز تآمروا على أول ثورة عربية شريفة في القرن العشرين، ونقضوا وعودهم للشريف حسين، وتمكنوا بالتعاون مع فرنسا، بما سُمي "اتفاقية سايكس-بيكو"، من إجهاض الثورة.
غير أنّ الأمير عبدالله بن الحسين رحمه الله، تمكن بحكمته وحنكته من بناء إمارة شرق الأردن، التي أصبحت فيما بعد المملكة الأردنية الهاشمية، بعد أن كاد الأردن يصبح جزءا من دولة وعد بلفور المشؤوم، التي تكرّم بها البريطانيون على يهود العالم ليتجمعوا في فلسطين، ويقيموا لهم دولة اسرائيل.
وقد عانى الملك المؤسس كثيراً من أجل الأردن، وكان كمن يسير بين الألغام، إلى أن مضى شهيداً على عتبات المسجد الأقصى في فلسطين. فخلفه الملك طلال واضع الدستور الأردني الحديث، ثم آلت الأمور للملك الحسين باني الأردن، وباني نهضته الحديثة.
تميز الملك الحسين رحمه الله، بالحكمة والعزم والحزم، وبقوة الإرادة، ما جعله حالة نادرة بين حكام العالم. فمنذ تولى العرش وجد نفسه بين مطرقتين، الأولى اعتداءات الجيش الإسرائيلي المستمرة على القرى والبلدات الأردنية في الضفة الغربية، والثانية سيطرة الضباط الإنجليز بقيادة كلوب باشا على الجيش العربي الأردني. وهذا كان هماً يلازم الحسين مذ كان طالباً في كلية "سـاندهيرست" في بريطانيا، قبل أنْ يتسلم سلطاته الدستورية.
لذا، وبعد أن اعتلى العرش، عمل بنشاط وبسرية مطلقة على التخلص من الإنجليز، وتعريب الجيش. ففي العام 1956، أرسل الملك الحسين سراً أحد ضباطه موفداً من قبله إلى الرئيس جمال عبدالناصر، ليستطلع رأيه في مدى استعداد مصر لمساندة الأردن عندما يقوم بتحرير الجيش من الأجنبي. فأجاب عبدالناصر بعد تفاصيل مثيرة أنّه "حرصاً منه على الأردن وسلامته، لا يؤيد المصادمة مع بريطانيا قبل جلاء قواتها عن قناة السويس". وأثنى عبدالناصر على أفكار الملك الحسين التحررية، كما أثنى على الضباط الأردنيين الذين يناصبون بريطانيا العداء. غير أنّ وطنية الحسين وطموحه طغيا على حسابات الربح والخسارة، فقام بتاريخ 1 /3 /1956 بتعريب الجيش وطرد كلوب باشا والضباط الإنجليز، متجاوزاً كل المخاطر والعقبات، بالرغم من أنّ ميزانية الأردن بكاملها كانت تعتمد على المساعدات البريطانية.
في العام 1956، وجه الرئيس السوري شكري القوتلي دعوة للملك الحسين لزيارة سورية، فلبّاها جلالته، واستقبلته دمشق استقبال الفاتحين حكومة وشعباً، حتى قال وزير الدفاع السوري إنّ شعبنا يحب الملك الحسين حتى كاد أنْ يحمله إلى القصر الجمهوري لتنصيبه ملكاً.
وفي الأسبوع الأخير من أيار (مايو) 1956 زار الرئيس السوري شكري القوتلي الأردن. وفي يوم من أيام الزيارة، طلب الزعيم (العميد) شوكت شقير وأركان حربه، والأستاذ صلاح البيطار، وأحد زملائه الوزراء، اللقاء برئيس الأركان الأردني اللواء علي أبو نوار. وفي اللقاء، طلب السوريون من اللواء أبو نوار أن يطرح على الملك الحسين مشروع وحدة بين سورية والأردن، يكون الملك الحسين فيها ملكاً مدى الحياة على الدولة الموحدة، معبرين عن إعجابهم به، واعتقادهم أن هذا المشروع يحقق أماني الأمة.
وقد وجه اللواء أبو نوار لهم سؤالاً: هل يعلم فخامة الرئيس القوتلي بهذا الموضوع؟ كان جواب البيطار أن الرئيس لا يدري بالمشروع، لأنه بُحث بين الضباط في الجيش، وبين حزب البعث وعدد من السياسيين السوريين، وأن المشروع يحمل ضمانة نجاح كبير في سورية إذا وافق الملك الحسين. فإذا تمت الموافقة، فإن الأمر سيوضح أمام الرئيس القوتلي كقرار سياسي وعسكري، تقتضي المصلحة القومية تنفيذه. وألح السوريون على اللواء أبو نوار باستمزاج جلالة الملك. وقد جاء رد جلالته: لا يمكن أن أدخل في موضوع يكتمه الوزراء والضباط السوريون على رئيس جمهوريتهم، لأنه يحمل معنى موافقتي على عمل لن يفسره أحد إلاّ بالتآمر على ضيفي.
وقد أكد أكرم الحوراني لرئيس الأركان الأردني، أن الملك الحسين لفت أنظار الكثيرين من السياسيين على مختلف اتجاهاتهم، والعسكريين أيضاً، في عملية تحرير/ تعريب الجيش الأردني من القيادة البريطانية، واعتبروا عمله دليل شجاعة واستعدادا للتضحية في سبيل الحرية. وقال: نحن نعرف إمكانات الأردن، ومن هنا نقدر حجم المخاطرة التي تحملها، ونرى فيه قائداً ذا عزم وهمة، ومؤهلاً ليرأس دولة وحدة سورية أردنية. من هذا المنطلق فإننا بحثنا هذا الأمر مع قادة حزبنا وعدد من قادة الجيش، اعتقاداً منا بأن الشعب السوري سوف يتلقى المشروع بالقبول الكبير. ولعلّ استقبال دمشق للملك الحسين عندما زارها دليل كاف على تقدير الشعب السوري له.
بعد ذلك، عمل الحسين في كل اتجاه من أجل بناء الأردن في شتى المجالات، بما لا يخفى على أحد. أما تفاصيل مواقف الحسين فمذهلة وتأخذ بالألباب، لكنها خفيّة عن الشعب الأردني، وعن شعبنا العربي في أقطاره كافة.
وللأسف، فقد قصّر الإعلام الرسمي الأردني في أنْ يُخرج هذه المواقف من مكامنها، ويقدمها للشعب العربي. وبها يُقدم تاريخ الحسين بالصورة النقية الطاهرة والعظيمة التي كان عليها الملك الباني.
في العام 1993، وجه الملك الحسين بأن يقوم التلفزيون الأردني بإنتاج مسلسل عن الثورة العربية الكبرى، وكان سخياً في رصد المال اللازم للمسلسل. غير أن التلفزيون تقاعس، وعجز عن أداء مهمته الوطنية، فأنتج السوريون المسلسل باسم "إخوة التراب"، فيه زيّفوا الحقائق، وشـوّهوا الأحداث، وتناسوا الدور الهاشمي، وتجاهلوا الشريف الحسين بن علي قائد الثورة.
وقد تقدمت للتلفزيون الأردني بمشروع إنتاج سلسلة وثائقية في ثلاثين حلقة تتحدث عن حياة ومواقف الملك الباني. غير أنني اصطدمت بعدم الرغبة! علماً أننا شكلنا لجنة من ستة أشخاص للإشراف على نص البرنامج، اثنان من الوزراء السابقين، واثنان كانا رئيسي جامعات أردنية رسمية، واثنين من أصحاب الاختصاص. ولمن لا يعلمون نقول: إن الثورة العربية الكبرى ما تزال قائمة، والأردن هو نتاجها، والجيش العربي هو جيشها، ولولا الثورة العربية الكبرى لما كان الأردن الحديث، ولكان جزءا من وعد بلفور المشؤوم.

التعليق