بدون مراعاة

تم نشره في الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً
  • مستوطنون يهود خلال جولاتهم الاستفزازية في شوارع الخليل أمس.-(اف ب)

هآرتس

عميره هاس   30/9/2015

هذا ليس الامر الأكثر استفزازا الذي يمكن قوله عن شرطة إسرائيل عموما وشرطة شاي خصوصا: في محطة الشرطة الإسرائيلية في الخليل/ كريات أربع توجد خريطة رسمية للخليل حيث أُخفيت ومُحيت فيها أسماء أكثر من 200 منطقة فلسطينية. توجد فيها مثلا مستوطنة نغوهوت والقرى الى الغرب منها مثل بيت مرسم وبيت عوا غير موجودة. بيتار عيليت طبعا في الخريطة، لكن قرى وادي فوخين ونحالين اللتين تسلب اراضيهما المستوطنة، مُحيتا.
 نقول مسبقا: الخريطة بحد ذاتها لن تمحو الواقع. الناس يوجدون وهم مغروسون عميقا في مناطقهم، في تاريخهم وفي مجتمعهم ولا يحتاجون الى مصادقة الشرطة الإسرائيلية أو وسائل الإعلام الإسرائيلية على ذلك. أي أن الخريطة لا تشير الى الوضع الفلسطيني بل الى الوضع الإسرائيلي.
 الامر الذي يستفز أكثر من الخريطة هو معرفة أن الشرطة الاسرائيلية تهمل القاء القبض على المُخلين اليهود الذين يلحقون الضرر بالفلسطينيين ولا تردع الآخرين (تتقاسم الشرطة مع الجيش و"الشباك" والنيابة تاج الاهمال والتشجيع غير المباشر للمُخلين اليهود). لكن يتبين أنه عندما تتجاهل الشرطة السكان الفلسطينيين في الخريطة فانه من السهل تجاهل الضرر الذي يلحق بهم.
 كتبت يهوديت كارب عن تطبيق القانون على اليهود في الضفة الغربية في 1982. وثارت حفيظة لجنة شمغار في 1994 التي قامت بسبب المجزرة التي نفذها د. باروخ غولدشتاين بحق المصلين المسلمين، وتحدثت عن غياب التنسيق بين الاجسام المختلفة، وتقوم اليوم منظمات مثل "الحق" و"بتسيلم" "ويوجد حكم" بتوثيق غياب الفعل والاهمال التي تستمر منذ نصف قرن. هذا ليس برهانا على عدم المهنية بل هو مقصود. حكومات اسرائيل تُغري مواطني الدولة بالاخلال بالقانون الدولي والاستيطان. المُخلين الذين يهدفون الى اخافة وطرد الناس من اراضيهم يُكملون عمل الادارة المدنية، التي تسلب المزيد والمزيد من الاراضي الفلسطينية وتعلن عنها اراضي دولة، وهي بذلك تخضع لأوامر المسؤولين عنها. الشرطة باهمالها تعمل هي ايضا بروح القائد الاعلى. إسرائيل دولة ديمقراطية يهودية. القادة يُنتخبون بفعل ما هو جيد لليهود. وهذه هي الخلفية الاجتماعية السياسية للخريطة.
صحيح أن الخريطة أبقت على اسماء بيت لحم، حلحول والخليل، ولكن من لوحة المعلومات التي في الخلفية تم محو السكان. مكتوب أنه في هذه المناطق يعيش 81 ألف انسان (99.6 بالمئة منهم يهود). ونجمة كتبت بجانبها ملاحظة: "دون اعطاء أي اعتبار للسكان الفلسطينيين". هذا الصدق الكلامي أمر لافت. يمكن كتابة "هذا لا يشمل 800 ألف فلسطيني". لكن الذي أعدها اختار "دون اعطاء أي اعتبار"، هذا أدق.
 خريطة منطقة الخليل بدون العرب ليست انتاجا شخصيا للموقعين عليها، المقدم داني حِن، رئيس قسم التخطيط في الشرطة، بل هي انتاج إسرائيلي جماعي وتعكس العبقرية الكولونيالية لاتفاقات اوسلو. مفاوضات اوسلو وتناسخها في اتفاقات "مؤقتة" التي تحولت إلى أبدية ومقدسة، أبقت لإسرائيل معظم الاراضي والمصادر الطبيعية فيها دون اعطاء أي اعتبار للسكان. لقد ألقوا بالناس وبالمسؤولية عنهم على قيادة فلسطينية عديمة المصادر والصلاحيات الحقيقية. أي أعفوا إسرائيل من واجبها كقوة محتلة، حيث كانت وما تزال.
 المُخلون وآباؤهم الروحيون في اليمين الإسرائيلي الآخذ في التطرف يريدون محو الوجود الفلسطيني من الواقع ايضا، ليس فقط من الخريطة. وهنا تكمن خطورة الخريطة. إنها تعكس اللاوعي وغير المعلن لدى إسرائيل التي تطمح إلى اختفاء الفلسطينيين، الامر الذي يخلق ويعزز فكرة أن الفلسطينيين غير موجودين.

 

التعليق