العمل الإضافي بعد التقاعد.. تحسين للنفسية وتجديد في الحياة الأسرية

تم نشره في الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • يجب أن لا يتوقف عطاء الإنسان بعد التقاعد عن العمل - (أرشيفية)

تغريد السعايدة

عمان- بعد أن طرق التقاعد باب الزمن لدى أبو مازن بعد سنوات الخدمة الطويلة في المؤسسات الرسمية، أمسى يبحث عن وسيلة جديدة لتمضية أوقات الفراغ لديه، ولإيجاد باب رزق آخر يحسن من مستواه المعيشي، وبخاصة أنه ما يزال صغيرا بالسن ولم يصل إلى مرحلة "الكهولة"، على حد تعبيره.
حالة أبو مازن الذي توجه لإنشاء مشروع تجاري صغير من مكافأة التقاعد، ليكون له ملاذاً من الملل والفراغ ومصدر مالي في الوقت ذاته، هي ضمن عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يضطرهم التقاعد إلى البحث عن فرص عمل جديدة، وبعضهم للهروب من الملل والفراغ في الوقت ذاته.
وبعيداً عن البُعد الاقتصادي، فإن الأشخاص المتقاعدين يتعرضون للكثير من الضغوط الاجتماعية والأسرية والنفسية، إلا أن جلهم يخرجون من هذه الحالة المؤقتة أحياناً من خلال العمل وتطوير أنفسهم وتحسين وضعهم المادي والاجتماعي، من خلال العمل.
وهذا ما يؤكده أبو مازن؛ إذ شعر بالكثير من الفراغ والملل في بداية حياته بعد التقاعد، وحاول الخروج من هذه الحالة من خلال العمل في مشروع خاص، مشيرا إلى أن اختياره للعمل الخاص كان لأنه لا يريد أن يكون ملتزما بتوقيت عمل محدد، حتى يرتاح من عناء الاستيقاظ مبكراً، لذلك كان المشروع التجاري الخاص هو الوسيلة الأنسب لذلك. ويجزم أبو مازن أن وضعه النفسي والأسري تحسن كثيراً بعد العمل، فلم يعد لديه وقت فراغ كبيرا، وأصبح يبرمج أيامه بحسب مناسباته الاجتماعية، ويخصص وقتاً معيناً للعائلة من حيث الترفيه والرحلات، مشيراً إلى أن الحياة بعد التقاعد ممتعة لمن يستطيع أن يبرمج حياته على ذلك.
وتستذكر أم علاء الفترة التي تقاعد فيها زوجها من عمله في القطاع العسكري، وكيف أن الكثير من المشاكل بدأت معه وتغيرت حياتهم؛ إذ بدأ بالتدخل في شؤون المنزل، ولم تعد قادرة على الخروج والجلوس مع جارتها كما كانت في السابق، عدا عن الملل الذي أصابه وبدأ ينعكس على وضعه الصحي فيما بعد.
لذلك، قرر زوجها أن يتوجه إلى أحد البنوك لأخذ قرض مالي ليتمكن من شراء "تاكسي" والعمل عليه لساعات طويلة خلال النهار، أو بما يتناسب مع وقت العمل وحركة الركاب.
بعد ذلك، عادت الحياة أفضل مما كانت، كما تقول أم علاء؛ إذ أصبح زوجها يعود في المساء من العمل، ولديه أصدقاء ووقت خاص به، بالإضافة إلى أن ذلك انعكس على وضعهم المادي، فقد أصبح هناك مصدر دخل آخر لهم، وأسهم ذلك في توفير الكثير من المتطلبات للأبناء، وبخاصة الذين يدرسون في الجامعة.
وهنالك تأثير نفسي وأسري يقع على من يصلون إلى التقاعد؛ إذ ترى الأخصائية الأسرية والنفسية الدكتورة خولة السعايدة أن التقاعد في المجتمع يخضع للعمر وليس للقدرة على العمل والعطاء، لذلك لا يجب أن يتوقف عطاء الإنسان بعد التقاعد عن العمل.
وتؤكد السعايدة أن بعض المتقاعدين، ما يزال لديهم شعور بالقدرة على الإنتاج والعطاء وباستطاعتهم العمل والإنتاج، لذلك يفضل أن يعاود البحث عن عمل يتناسب معه، مشيرة إلى أن ذلك يسهم في إشباع حاجته النفسية من الشعور بأنه شخص إيجابي وقادر على العطاء والإنتاج.
وتذهب السعايدة إلى أن جلوس الزوج لساعات طويلة في المنزل بالقرب من زوجته وأبنائه، قد يتسبب بحدوث مشاكل بالفعل؛ إذ إن كلا الطرفين غير معتاد على ذلك، وهذا يجعل الزوج يتدخل في يومياتهم في البيت بطريقة مزعجة للزوجة والأبناء، وقد يحد من حريتها في الخروج أو استقبال الضيوف بشكل عام.
لذلك، من الأفضل للزوج في مثل هذه الحالة، وفق السعايدة، أن يبحث عن عمل ليملأ وقت الفراغ لديه، ويعود عليه بالمردود المادي، ما يتناسب مع إمكانياته ووضعه ورغبته كذلك.
الخمسيني منذر الطالب اختار أن يعمل كموظف أمن وحماية في أحد المولات الكبيرة من خلال إحدى شركات الأمن، كونه متقاعدا من الأمن العام، مشيرا إلى أن هذه الوظيفة جعلته قادرا على العمل والعطاء وتغيير نفسيته بشكل كبير جداً إلى الأفضل، بعد أن عانى من الضغوط النفسية والروتينية بعد التقاعد، كونه اعتاد على نظام معين في العمل المنتظم والمنضبط خلال أكثر من خمسة وعشرين عاماً.
ويرى الطالب أن العمل بعد التقاعد ليس فقط سبيلا للحصول على مصدر دخل إضافي، على الرغم من أهميته، بل هو وسيلة للابتعاد عن الروتين القاتل في بعض الأحيان، والذي يجعل الشخص يدخل في دوامة من الملل والاكتئاب، والتي قد تنعكس على العائلة بأكملها، وعلى الوضع الصحي لديه كذلك.
وكذك الحال لدى السيدات، فالمعلمة المتقاعدة من مهنة التدريس هيام جبر، جلست في البيت بعد التقاعد ما يقارب الثلاث سنوات بدون عمل، مؤكدة أن الملل تسلل إليها وشعرت بأنها تعيش في دائرة مغقلة، فما كان منها إلا أن اجتمعت مع مجموعة من صديقاتها لينشئن مشروعا تجاريا صغيرا يخدمهن ويشغلهن في الكثير من الأيام.
وتقول جبر إنها بعد التقاعد كان أبناؤها قد تجاوزوا مرحلة الطفولة وأصبحوا شباباً، وأصبح لديها الكثير من أوقات الفراغ، لذلك تنصح كل أم وسيدة متقاعدة باستغلال أوقات فراغها بالكثير من الأمور والأعمال التي تعود عليهن بالنفع المادي والمعنوي والنفسي في الوقت ذاته، كما أن ذلك يجعل من الأم أو الأب المتقاعد قدوة حسنة للأبناء في المستقبل في العطاء والعمل الدائم بدون ملل.
وتبين السعايدة أن بعض الأشخاص المتقاعدين يفضلون البقاء بدون عمل ويتوجهون للراحة والترفيه عن أنفسهم، إلا أن ذلك يخضع للمستوى المادي والمعيشي لديهم، فمن لديه القدرة على توجيه وقته في الترفيه والراحة، فليكن ذلك، وبخاصة في حال شعر بكفايته من العمل والتعب من الالتزام به.
ومن الأمثلة على ذلك، كما تبين السعايدة، أن العديد من الدول توفر الرفاهية والرحلات للمتقاعدين الكبار في السن وغير القادرين على العمل، وبخاصة ممن لا يساعدهم الوضع الصحي على العمل.
التوجه للعمل والإيجابية يحتاج إلى الكثير من الطاقة والعمل الذاتي في نفس الفرد، كما تؤكد اختصاصية التنمية البشرية والطاقة الإيجابية مرام الزيادات؛ إذ إن تجديد النفس وشحذ الهمة الإيجابية بحاجة إلى مهارات تتكون لدى الإنسان لإحداث التغيير والإيجاب في حياته.
وتعتبر الزيادات أن عدم الإكتراث والتوقف عند الكثير من الأمور السلبية في الحياة يساعد على التخلص من الحزن والملل عن بعض الأمور التي تدفعنا إلى السلبية والحزن والكآبة، ويساعد في دعم النفس إلى التجاوب والتأقلم مع ظروف الحياة اليومية التي قد تصيب أي شخص في حياته.
ويحتاج ذلك، وفق الزيادات، إلى بذل الجهد والمحاولة مراراً وتكراراً للتخلص من السلبية التي تحدث جراء ذلك، مؤكدة أن الفرد بحاجة إلى تحفيز نفسه والتأقلم أحياناً مع بعض الظروف المحيطة٬ والتي تؤثر على كل فرد في الحياة٬ وعلى المحيطين به، وأن التركيز على الإيجابيات يجعل الإنسان متقبلاً ومتوازناً في الحياة.

tagreed.saidah@alghad.jo

التعليق