جمانة غنيمات

قليل من وجع الضمير

تم نشره في السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:09 صباحاً

ليلة العيد، وعلى بوابة أحد "مولات" عمان المعروفة، وقفت الشابة معها طفلها الذي تحمله على إحدى ذراعيها، فيما تمسك بالذراع الأخرى فتى لا يبدو أنه تجاوز السابعة عشرة من عمره.
المشهد العادي المألوف أن تمر هذه الشابة بمرحلة التفتيش، لتدخل برفقة من معها إلى المبنى، حيث يتجولون كغيرهم من البشر؛ للتسوق، أو حتى للفرجة والترويح عن النفس.
لكن ما حصل فعلياً لم يكن ذاك المتوقع بداهة. إذ رفض موظف وموظفة الأمن إدخال الفتى من ذوي الاحتياجات الخاصة، رغم إلحاح الشابة وإصرارها على الدخول. كما لم تنفع "وساطات!" بعض من رواد "المول" في محاولة منهم لإقناع الموظفين بالعدول عن موقفهما، إذ اصطدمت كل محاولاتهم بالرفض، من دون مبرر في بداية الأمر.
الشابة أصرت على موقفها، وجادلت موظفي الأمن طويلا بحق الفتى في دخول "المول". لكنهما تمسكا برفضهما بحجة أن ذلك من ضمن تعليمات الإدارة.
ومع استمرار الموقف، وإن لدقائق قصيرة، تحت ضغط المطالبات بالسماح للفتى بدخول المبنى، ذهب الموظفان أبعد في تبرير القرار اللاأخلاقي، بوصف الشابة والطفل والفتى المرافقين لها بأنهم متسولون!
هكذا، انتهى الموقف المخجل والمحزن في آن.
غادرت الشابة وطفلها والفتى الذي التزم الصمت طوال مدة النقاش. فهو أضعف من موظفي الأمن وإدارة "المول" التي فرضت تعليماتها القاسية واللاإنسانية بمنع دخول هذه الفئة المستضعفة إلى أسواقها الفخمة. الثلاثة غادروا مكسورين، وقد تملكهم حتماً شعور بالإقصاء والتهميش، بل والاحتقار أيضاً.
أما الأسوياء من غير ذوي الاحتياجات الخاصة، من وجهة نظر إدارة "المول" طبعاً، فقد دخلوا يصولون ويجولون، مع قليل من وجع الضمير لدى من حضر المشهد السابق، حزنا على الفتى وشقيقته وطفلها الذين تم تقرير أن لا يسمح لهم بعيش لحظة الفرح في ليلة العيد بأدنى أشكالها، إن لم يسعفهم ضيق الحال بأكثر من ذلك.
أمثال هؤلاء كثر، يعيشون بيننا أغرابا منقوصي الحقوق. وهم يتعرضون لانتهاك إنسانيتهم على يد المجتمع، قبل كل المؤسسات، الرسمية والخاصة. وليكون الخلل والعيب فينا -نحن المفترضين بأنفسنا أننا "أسوياء"- طالما لا نقدر كمجتمعات على احترام هذه الفئة وتقديرها، ومنحها الحد الأدنى من حقوقها.
فإن كانت النظرة لاأخلاقية تفتقر لأدنى حس إنساني، تجاه بعض من أضعف فئات أبناء جلدتنا وأقلها حيلة، وإن كنا لا نعرف واجباتنا تجاه هذه الشريحة، فسنبقى مجتمعات مريضة، تعتبر الإعاقة عيبا وإساءة للأسوياء، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن السوية إن حملوا هكذا نظرة معوقة بكامل إرادتهم، وبخلاف ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون بسبب مرض أو حادث خارج حتماً عن إرادتهم بأي شكل كان.
فلا أدري أي ذنب اقترفه الفتى، ليستحق قتل الفرحة في قلبه في ليلة عيد؟ لكنه في الحقيقة ضحية لأمراضنا نحن من نزعم أننا بشر كاملون بلا عيوب. رغم أن إعاقتنا الانسانية والروحية والأخلاقية أخطر بكثير من إعاقة فتى أو فتاة كل ذنبهما أنهما لم يولدا مكتملي الجسد أو العقل.
طالما أن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، لاسيما إن تكالب عليها الفقر أيضاً، هي مصدر خجل ورفض، فستبقى المجتمعات ممتلئة بكثير من الأمراض، والأخطر هنا إن ظنت نفسها مجتمعات سليمة معافاة، فيما هي بحاجة ماسة وملحة للعلاج.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »والله حرام وعيب يصير هيك بالأردن (إبو خالد)

    السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    شكراً جزيلاً على هذا المقال الرائع . في أمريكا وأوروبا التي تحترم حقوق مواطنيها لا يعطى ترخيص لأي بناية قبل أن تكون مهيأة لذوي الإحتياجات الخاصة . ويستطيع مقاضاة المول لو كان عايش في أمريكا أو أوروبا .
  • »طرح موضوعي (هدهد منظم *اربد*)

    السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    بسم الله الرحمن الرحيم بادئ ذي بدء الحق اقوله للاعلامية الكبيرة الاستاذة جمانة غنيمات المحترمة حقـا حقـا حقـا لقد قمت بتناول الموضــوع بطريقة موضوعية رائعا جدا لغايات العصف الذهني وكنت كعادتك دوما موفقة وناجحة في ذلك الطرح بشكل منظم بامتياز ونشكرك على ذلك كيف لا وانت العـارفة والمطـلعة بامتياز على كافة التقـارير والدراساـت الموضوعيـة والميدانية التي اعدتها الغــد من خلال الاستاذة نـاديـن النمـري المحترمة حول التســول المنظم بامتياز والتي كانت هي ايضا موفقة وناجحة في طـرح وتنــاول مشكلة التسول المنظم لابل وقد ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك حيث انشئت قاعدة بيانات وتواصلت مع منظمات حقـــوق الانسان ووزارة التنمية الاجتماعية ولها الشكر ايضا هذا من جهــة ومن جهــة اخـرى فان قناعتي الشخصية تؤكد بانه يوجـد هنالك جهــات منظمة بامتياز كتلك التي تحدثت عنهــا الاستاذة نادين النمري المحترمة وايضا هنـاك جهات منظمة بامتياز تدعي بان لديها الوكـالة الالهيــة الحصرية بالاصلاح والوصايـة على المجتمع تعمل منذ مدة من الزمن على الاساءة الى الاردن العظيم في المحافل الدولية لغايات منظمة بامتياز هدفهــا جلب المساعدات الدولية اليها لكي تقوم هي بايصالها عن طريق جمعياتها المنتشرة في المحافظــات وهي في حقيقة الامــر لاتفعل ذلك نهائيا بل ترسلهـــا الى مجنديها في الداخل والخارج لان الاحصائيـــات التي ترسل لتلك الجهات الدولية مبالغ فيها ولاتعكس الواقع بالضبط تماما فهي اشبه مايقال عنها بانها رجما بالغيب والتخمينات المبنية على عدم وجود المعلومـــة الصحيحة والاحصاء الرسمي منذ اكثر من عشر سنوات لغاية اليوم وايضا تقوم تلك الجهات باغتيـــال وتشـــويه سمعـة شخصيات محترمة في المجتمـــع بدعـــوى انهم يتسولون من خلال وضعهم في اجواء توحـي للاخرين بانهم يتسولون لكي تضعهم تحــت مظلة الضغوطات المجتمعية لكي يتم تجنيدهم لاحقا لان الانسان لايستطيع ان يحيــا ويتفاعل مع الحياة بدون كرامة وعزة نفس وهذه معلومــة وليست تحليل شخصي ولدي معرفـة وامثلة على اسر وعائــلات شوهت سمعتها حتى من قبل افرادهــــا وانسبائهم الذين ينتسبون لتلك الجماعة المنظمة بامتياز لان ولائهم وانتمائهم لتلك الجماعة يعلـو ويسمو على كافة العلاقات الاسرية والوطنية والسبب يتعلق فقط بعمليات الاستهـــداف و التجنيد نعم صحيح الاستهــداف و التجنيد فقط ومن الطـــرق التي يستخدمونها التجزئة في عمليات البيع والشراء لكي يظهــر المشهد بشكل يوحـي للاخرين بان ذلك الشخص يتسول في حين بانه قد تلقى بقيــة ما دفعه للتاجر ولكن الفاصل الزمني يظهر المشهد وكأن الشخص تلقى من التاجر ولم يقم بالدفع اليه والله ولي التوفيق
  • »كيف للضمير ان يحس بالوجع؟ (يوسف صافي)

    السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    بداية اخت جمانة وان كانت مقالاتك توقظ العقل لمحاسبة من افقد الحس بالضمير قبل التساؤل عن همومه واوجاعه؟؟ من هنا لا بد لنا ومن باب الأولوية السؤال من قتل باب حب الخير والتكافل بين المكون المجتمعي الذي فطرالله عليه البشر ودفعهم عليه؟؟ واستعاض عنه بالحسابات المادية والقوانين المزركشه وان استلهموها ( مما اقرّ خالق البشر من تشريعات ناظمة ) لكنها لم تستوفي نصوصها و او من أجل التستر على ملحقات لها مغايرة كما هو مقر تحت بند الحقوق بكل مفرداتها بدء من حقوق الإنسان وصولا لحقوق المثليين (معاذ الله) وحتى لا نطيل عودة لسبب ما واجه الفتى الذي استبشر خيرا بنصوص القانون الذي يحميه بدء من فراش منامه في البيت (الأسرة وخصوصا المحتاجة ماديا) حتى عتبة بيته المنصوص عليها في كود البناء والرصيف والإشارة الضوئية وواسطة النقل وصولا للمكان المراد وصوله كغيره من افراد المجتمع تهيئة الممر الأمن دخولا وتنقلا وادوات السلامة الخاصة بذلك والخ من نصوص في القانون؟ وما زاد الشوق للزيارة الإعلان المشوق وما الى ذلك من محفزات شارك فيها المول والإعلام المحلي (استهلاك الإذعان ومحفز الفضول عند الكبير والصغير بكل صنوفهم) وصولا للصدمة النفسية التي تلقاها الفتى (نحيل ذلك لعلماء الإجتماع والنفس) اما سبب غياب وجع الضمير فهو استبدال محفزّه (الخير والتكافل) بالحسابات المادية (كلفة الإضافات لتلبية احتياجات الفتى ومن شابهه) وفق القانون الذي نحتفل به ونؤطره "اشبه بالحصان الذي يبدا السبق مسرعا والنهاية لايستطيع انهاء السباق" القانون يحتاج الى متابعة حثيثة ومحاسبة كل المتسببين بعدم الأخذ به اولتغاضي عن البعض في تطبقيه ؟؟" ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
  • »قد يكون رجال أمن المول على حق؟ (إسماعيل زيد)

    السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    سيدتي شكراً على المقال الرائع وانا أشد على يدك بكل كلمة قلتيها بخصوص ذوي الإعاقات الخاصة إذ يجب على المجتمع أن يجعلهم يشعرون ويعرفون بأنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع.
    لكن يا سيدتي ان رجال أمن المول أظن أنهم لا يتصرفون هكذا تصرف بدون أن يكون لهم معرفة مسبقة بهؤلاء، إذ كم من ذوي الإعاقات يمتهنون التسول بقصد أن يحصلوا على مكاسب مادية؟ وآخرها أظن أنني قرأت في صحيفتنا الرائعة الغد أن مكافحة التسول تبحث عن فتاة تمتهن التسول في مناطق المملكة وهي لا تملك يدين ولكن أهلها يعيشون في فيلا ويمتلكون سيارات فارهة وفي كل مرة يقبض عليها رجالات مكافحة التسول يقوم محاموها باخراجها وقد حاولت مكافحة التسول اقناعها بوضع أطراف صناعية بغرض مساعدتها على الحياة والعمل بدلا من التسول إلا أنها وذويها يرفضون ذلك بشدة.
    سيدتي ان امتهان التسول أصبح شيئا أسهل من أن يعالج الشخص نفسه ونظرا لمجتمع مثل مجتمعنا طيب القلب فإن أصحاب القلوب المريضة يستغلون هذه الطيبة ليحصلوا على المال من الطريق السهل.
    إن رجال أمن المولات وضعوا لحماية رواد المولات من أي منغصات فما يدرينا انهم لا يعرفون هؤلاء الأشخاص ومتاكدين بأنهم يمتهنون التسول؟ لو دخل مثل هؤلاء إلى المول وبدأوا بالتسول من مرتادي المول فما الذي سيضمن بأن يخرج صحفي ليتهم إدارة المول بأنها تتعاون مع المتسولين بقصد؟
    سيدتي شكرا على المقال الرائع مرة أخرى واتمنى ان يخلوا أردننا الغالي من ظاهرة التسول التي وصلت إلى مرحلة الظاهرة وبالذات في مناطق عمان الغربية.
    حمى الله الاردن.