زليخة أبوريشة

العلمانية هي المستقبل

تم نشره في الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:03 صباحاً

لا تكاد توجد كلمة في الأدبيّات السياسية، أُهينت وأُسيء استخدامها وشرحها وتفسيرها مثل "العلمانيّة"، حيث أمسكَ بها غالباً جَهَلةٌ، وجعلوها رغم أنفها، عنواناً للإلحاد والفجور والتحلُّل من الأخلاق. أما العارفون فقد خطَّطوا لتكريه الناس بها، وجعلوا منها بعبعاً مناقضاً للدين، فإذا كان الدين عندهم يبني، فهي عندهم تهدم! فلماذا حصل ذلك؟
إنها شهوة السلطة. وشهوة السلطة تلك التي عرفتها الأمصار العربيّة بالتكوّن الاخواني. إذ منذئذٍ بدأت جولات الإخوان المسلمين في الإساءة إلى سمعة العلمانيّة كنظامٍ بشريّ في الحكم، لأنهم كانوا يمهّدون لوصولهم إليه باسم الدين. وهي فكرة جهنميّة لم تعرفها العروبة إلا في مراحل انحطاطها وولوغها في الطغيان (العصر الفاطمي مثالاً).
فهل أنّ العلمانيّة هي الكفر والإلحاد فعلاً؟ وهل أنها تضطهد الأديان وتمسحها من الوجود؟
تشكل دول الحضارة الغربية (بما فيها أستراليا التي لا تقع في الغرب بل في جنوب العالم) حلماً لمعظم مسلمي الكرة الأرضية، وخصوصاً أولئك الذين في بلدان متخلفة اقتصادياً وسياسياً، وترزح تحت بطش الأنظمة. وهؤلاء المسلمون يحاولون حتى قوارب الموت لبلوغ شواطئ أوروبا، لينعموا فيها بالأمان الاقتصادي، وبالحريات جميعها، بما فيها حرية التعبير والعقيدة. وقد حفظت دول الغرب لجميع المهاجرين حقوقهم كمواطنين أصليين، بما في ذلك بناء المساجد لهم، وفتح فصول لتعليم أبنائهم وبناتهم اللغة العربية أو غيرها من لغات المسلمين. فهل لو أنّ العلمانية ضد الدين الإسلامي تسمح بذلك؟
هذا السؤال البسيط وجوابه يكشف الأكاذيب الدعائية التي يحفل بها الخطاب الإخواني والسلفي في تشويه صورة العلمانيّة. فمن نتائج هذا التشويه تصديق الناس الأكذوبة، والمسارعة إلى تصديق الحلم الخادع بأنّ الإسلام هو الحل. حل لماذا؟ للمشاكل الاقتصادية الكبرى؟ لمشكلة الاستبداد الحالي واستحضار نموذج أشدّ تقهقراً وأكثر عتهاً وهو الاستبداد باسم الدين؟ وعلى أيدي من؟ مجموعة من مشايخ أميين وشخوصٍ تعاني من خلل في بنيانها الفكري والأخلاقي، تشتغل عكس جميع قوانين الإنسانيّة (داعش مثالاً)؟
لقد أثبتت جميع الدول التي تزعم أنها تحكم باسم الإسلام، والتي تحقّر الاجتهاد البشري في صنع القوانين، أنها جميعها دونما استثناء، ضد حقوق الإنسان، وضد حقوق المرأة، وضد حقوق الطفل، وضد التقدّم، وضدّ الأخلاق أيضاً. فمحاصرتها للمواطنين والمواطنات بأعراف وتعليمات وقوانين غرائبية، جعلت من هذه البلدان، تجمعات غير إنسانية، فيها أنواع من الانحرافات والاضطهادات والاستبدادات، مما يستحيل أن ترى له مثيلاً في بلدان العلمانيّة، التي مبتدؤها احترام الفرد وحريته وعقيدته وحقوقه، وأن الدولة كلها مسخّرة لهذا الاحترام. صحيح أن ثمة عنصريّة وتعصباً هنا وهناك، ضدك كمسلم أو مسلمة، ولكن القانون يجرّم ويعاقبُ، والدنيا ليست فلتانة كما تتصور/ين! وليس غريباً بطبيعة الحال أن هذه الدول الدينيّة تسرح وتمرح في التخلف والديون وانحطاط الأوضاع للفرد وللدولة (وانتظروا قليلاً حتى يستكمل سوس الاستبداد إيران!).
العلمانيّة تحترم حقَّك في العقيدة والعبادة، على أن لا تعتدي على حقِّ سواك. العلمانية تعلّمك أنك لست وحدك في الكون، وأنك لست أفضل من غيرك. العلمانية تعلمك المساواة واحترام دولة القانون وأن لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ إلا بمقدار التزامه بهذا القانون وتطبيقه. العلمانية انتصار للإنسانيّة إن أنت التزمت وأبدعتَ واجتهدتَ.
دعونا لا نفقد الأمل...

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل تدافعين عن العلمانية أم ؟ (سمير الجهران)

    الأربعاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    هو هجوم على الاخوان والدفاع عن العلمانية وسيلة , ايتها الكاتبة المحترمة لو ارادوا الاخوان السلطة لمجرد السلطة والانتفاع منها لهادنوا الاستعمار وقدموا التنازلات عن الاوطان والاعراض والدين ايضا كغيرهم ممن وصلوا للحكم وبات الوطن مزرعة لهم ولاسيادهم المستعمرين , أمّا الدول التي تتبنى العلمانية فربما كان في بلادهم حرّّية أو نوعا منها الّا أنها لا تتوانى تلك البلدان لسرقة خيرات بلدان فقيرة هنا وهناك بل لا تتوانى في قتل الالوف وربما الملايين من شعوب العالم الثالث والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ... تحياتي للسيدة زليخة
  • »العلمانية هي الهدم للمستقبل (فريد مسالمة)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    أي طريق لا يقودنا نحو الحق والنور فهو مضلل وضبابي وغاشم.ومنذ أن نشأت كل هاتيك المصطلحات من علمانية لبعثية لأخوانية وما يضاهيها في هذا القبيل أثبت كل يوم فشله في نظام حياتنا الحرة والكريمة والتي أساسها التوحيد.والكاتبة هنا كغيرها ممن تتلمذوا على هكذا مكونات وانغرست حتى في نبض أفكارهم ودواة حبرهم أسألهم كم لبثتم؟؟؟وفي المقابل كم ستلبث هذه الأفكار والايدولوجيات تسيطر علينا وكل يوم نصتطدم بهشاشتها على عكس الإسلام الجامع المانع المتجدد والصالح لكل زمان ومكان..لقد مرت عصور ودهور وبقي الإسلام كالشمس يظهر ولو اختفت شمسه يظل دفء مكوناته وتعاليمه راسخاً في الروح منهاج عمل وحياة يمنحنا الأمل والنصر والفكر المستنير الذي يتعايش وكل التناقضات التي حوله ويجدد فيها الوعي والخطاب ولكن البعض ممن أدمن هذا الترف الفكري الممنهج على تفصيلات الغرب الكافر والحاقد على ديننا وانساننا وإنسانيتنا لازال يتمترس خلف هذاالوهم الزائل جملةً وتفصيلاً.يقول الرسول الكريم محمد عليه السلام..كل من ليس من ديننا فهو رد.ويقول الله تعالى.ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه.والحديث يطول ولكن أتركه للأُخوة لإبداء رأيهم وللكاتبة الشكر
  • »برافو (لولو الصغيره)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا)
  • »رائع (Sami)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    مقال مميز يكشف الادعاءات و يظهر زيف ادعياء ان العلمانية تعني الالحاد...
    شكرا لك
  • »وجهة نظر (محمد)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    ارجو منك عدم توجيه انتقادك للنظام او السياسة الإسلامية غير المطبقة بل نقد الذين يدعون تطبيقها مع العلم ان العلمانية اثبتت فشلها امام النظام الإسلامي الحق وما ظهرت الا بعد غياب الإسلام او من يحكم به حقيقة
  • »صراع حملةالأيديولجيات (يوسف صافي)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    اخت زليخة هذا دندن حملة الأيديولجيات ما بين مكونهم الذي تخفّى تحت ستارها ولوجا لهدفه الممزوج بالهوى المصلحي المادي؟؟ وحتى لانقع في صف ان طاح الجمل تكثر سكاكينه واوننزع العدالة في الوصف تضخيما وترهيبا اواسترضاء وتلميعا" لهوى ذاتي ان الصراع قائم منذ نشأتها الراسمالية ضد الشيوعية والقومية ضد القطرية لاوبل وصلت لحد الإنشقاقات وصفا يميني ويميني وسط ويميني متطرف والعلمانية التي تنفي الدين والأخرى التي لاتنفي مع الإهتمام بالعلوم "(مقال الإستاذ حسني عايش في هذا المنبر(الغد) الذي نحترم )مع كل النظريات حيث ذلك من نسج من حملوها وليس ادبياتها كما اسلفتي مؤكدة مايجري هنا وهناك من مماريسيها؟؟؟ "وقل الحق من ربكم ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وايضا " لااكراه في الدين بعدان تبين الرشد من الغي"
  • »نعم العلمانية هي الحل (خلدون)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    اقتبس من مقابتك ايها الأستاذة المبدعة"العلمانيّة تحترم حقَّك في العقيدة والعبادة، على أن لا تعتدي على حقِّ سواك. العلمانية تعلّمك أنك لست وحدك في الكون، وأنك لست أفضل من غيرك. العلمانية تعلمك المساواة واحترام دولة القانون وأن لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ إلا بمقدار التزامه بهذا القانون وتطبيقه. العلمانية انتصار للإنسانيّة إن أنت التزمت وأبدعتَ واجتهدتَ"
    شكرا جزيلا لجهودك التنويرية.
  • »العلمانية .. ما هي؟؟؟؟بالضبط؟؟؟ (يوسف)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    لأن العلمانية ليس لديها مرجعية الا القانون الوضعي وهذا يتم تغييره بسرعة وحسب الحاجة والمزاج , ونعم الكثير من العلمانيين هم ضد الدين وان لم يصرحوا بذلك , ومعظم العلمانيين هم ضد التقاليد بشكل عام ويدعون الى الأممية والذوبان والانحلال الاقتصادي والاخلاقي.. كان بأمكان الكاتبة شرح مبدأ العلمانية ان كانت تستطيع وبشكل مبسط للقراء ولكنها أثرت شتم الاخوان والسلفيين والمتديينين. للعلم معظم الاخوان والسلفيين هم علماء في مجالات غير الدين والفقه والشريعة فمنهم اطباء ومحامون وكيميائيون وكتاب ادباء ومهندسون في مختلف المجالات .
  • »وأخيرا، مقالة رائعة... (غريب)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    شكرا لك سيدتي على هذا الطرح المميز والمقال الرائع وان كنت اعلم إنك ستتعرضين لهجوم شرس من اعداء الحضارة من اتباع الفكر الطوبوي فكان الله في عونك وعوننا جميعا في نشر الفكر والتنوير في المجتمعات المغلقة فكريا رغم الصعوبا، عل وعسى، كل الاحترام.
  • »اخطاء المقال (احمد سمارة)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    اولا .. اشك ان هناك تعريف واضح للعلمانية لدى العلمانيين انفسهم .. فهناك يمين ويسار ووسط واشكال مختلفة وكثيرة للعلمانية فعن اي علمانية تتحدثي !!؟؟

    ثانيا .. ذكرتي النموذج الاوروبي للعلمانية فلماذا لم تذكري النموذج التركي او النموذج التونسي الذي لم يكفل اي حق سياسي او ديني وفي ذلك تفضيل ؟؟!!

    ثالثا .. وجود نموذج علماني ناجح لا يعني ان العلمانية هي الحل .. كما ان وجود نموذج ديني سيء في الحكم لا يعني ان الاسلاميين سيئين .. لاحظي ان من يحكم في عالمنا العربي بأسم الاسلام هم اشد اعداء الاخوان المسلمين الذين تصورينهم نموذج على الاستبداد ..

    رابعا .. بعيدا عن التفاصيل .. اثبت العلمانيون في اوروبا نجاحهم لأن العلمانية كانت نتيجة لعصور من التخلف قادتها الكنيسة هناك .. بينما عاش المسلمون عصور من الازدهار في نفس تلك الفترة تحت راية الحضارة الاسلامية فاستنساخ التجربة كما هي لم ولن ينجح لأنتفاء الحاجة لها

    اخيرا .. اثبت التجربة ان العلمانيين في العالم العربي بالممارسة العملية هم اهل الاستبداد والميكافيلية .. وشاهدنا كيف ينقلبون على الديمقراطية اذا لم تأتي بهم وكيف يؤيدون البلطجة والارهاب وقمع الحريات اذا كان ضد خصومهم .. هناك مثل جميل في هذا السياق استحضره ل ستيفن كوفي " افعالك اعلى صوتا من أقوالك " .