الهوية والانتماء والولاء

تم نشره في الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:08 مـساءً

تتكون هوية الفرد -إجمالاً- من عنصرين أساسيين، هما الانتماء والولاء. والانتماء له علاقة بالمنبت أو المنشأ، وهو لذلك مكاني، أو إثني أو ديني... أما الولاء فسياسي.
والانتماء والولاء قد يلتقيان وقد يتباعدان أو ينفصلان. فالفرد قد يكون سورياً، أو عراقياً، أو ألمانياً... بالانتماء، ولكنه  موالٍ أو غير موالٍ للنظام السوري، أو العراقي، أو الألماني؛ فقد يكون إسلاموياً أو شيوعياً بالولاء. ولكنه سوري أو عراقي أو ألماني بالانتماء.
وقد يهاجر أردني أو سوري أو إيراني إلى أميركا ويحصل على جنسيتها، ولكنّ انتماءه يظل للأردن، أو سورية، أو إيران. أما ولاؤه فيكون لأميركا، إذا صدق في اليمين التي أقسمها عندما حصل على الجنسية الأميركية.
وكما وهو واضح، فإن الانتماء ثابت نسبياً ومتدرج عمودياً؛ أي إنه يبدأ من أسفل إلى أعلى. أما الولاء فمتغير ومتدرج عمودياً أيضاً؛ ويتوقف وجوداً وعدماً أو قوة وضعفاً، على سياسة الدولة أو النظام القائم، وقد ينعدم عند بعض الأفراد لدرجة الخيانة العظمى.
كانت سياسة أميركا، حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، تقوم على صهر المهاجرين من كل أصقاع الأرض في بوتقة أميركية واحدة، في محاولة للقضاء على انتماءاتهم الأصلية، وبحيث ينتمون لأميركا ويوالون نظامها. غير أنه حدث انقلاب فكري سياسي بعد ذلك تبنى التعددية، فصارت كل شعوب الأرض ممثلة بجالياتها هناك، وكأنها ما تزال في بلدانها التي هاجرت منها، أي إنها ظلت تنتمي إليها، ولكنها توالي أميركا إذا صدقت في يمينها. ومحك ذلك أنها وإن ظلت تنتمي إلى أصولها، إلا أنها سرعان ما تفصح عن أميركيتها في الأزمات أو عندما يتحرك الواحد منها خارج أميركا في زيارة أو سياحة أو تجارة أو تعليم، ويتباهى بذلك.
لكن التعددية تجعل المجتمع مخلوطاً لا مركباً، مما ينشئ أو يفتح ثغرة لصراع أو حرب أهلية، أو لتجزئة جغرافية. وللالتفاف على ذلك، تتبنى أوروبا وأميركا، إلى حد كبير، مبادئ المواطنة والديمقراطية والعلمانية، باعتبارها الغراء أو المواد الفعالة القادرة على تنحية الهويات الفرعية جانباً لصالح تكوين الانتماء والولاء.
أما القوة الثانية القادرة على التركيب المجتمعي، والتي تلي تلك المبادئ، فهي الأحزاب السياسية التي تنظم الناس وتربطهم بعضهم ببعض على أساسها، أفقياً لا عمودياً.
إن المواطنة والديمقراطية والعلمانية، وبأجلى معانيها، هي أحد أعظم الاختراعات السياسية في تاريخ البشرية. وإن نظام الحكم والأحزاب السياسية التي تعتمدها، إلى جانب اعتماد العدالة في القضاء والتوزيع، يبقى، ولا يبقى بغيرها.
لقد فشلت الأنظمة العربية بعد الاستقلال في تحويل مجتمعاتها المخلوطة إلى مجتمعات مركبة، تتجلى في وحدتها الوطنية التي لا تنفصم لأنها مدعومة بالمواطنة والديمقراطية والعلمانية والعدالة، فكان هذا الحاضر العربي التعيس أو البائس لغيابها. لقد ظنت تلك الأنظمة أنها بالدكتاتورية أو الشمولية والتلاعب والتمييز والمحاباة والواسطة والمحسوبية والرشوة والنفاق باقية! لقد تجاهلت الشقوق أو الصدوع التي خلقتها الدكتاتورية والشمولية في بنية المجتمع، والتي انطلق منها الصراع والحروب الأهلية المروعة، فاندثرت أو تكاد.
إن كل دولة لا تعتمد مبادئ المواطنة والديمقراطية والعلمانية والعدالة، معتلة. وكلما تأخرت في اعتمادها، اشتد اعتلالها وصار وضعها مخطراً. إن المواطنة والديمقراطية والعلمانية والعدالة، هي الدواء الشافي من ضغوط الهويات الفرعية (القاتلة)، أفلا يعقلون؟! أفلا يدركون؟!

التعليق