عيسى الشعيبي

بعث مسرح العبث

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:06 صباحاً

استدراكاً لما قد يثيره العنوان أعلاه من استنتاجات متعجلة، ينبغي القول إن هذه المطالعة لا تنتمي إلى جنس النقد الأدبي، ولا تنتسب إلى طروحاته الفكرية، وإنما هي مجرد عملية اتكاء لا أكثر، على جماليات فن مسرحي تجريبي، ساد وانتهى في أواسط القرن الماضي، عرف باسم "مسرح العبث"؛ وذلك لاستنطاق المشهد الجاري فصولاً على خشبة مسرح السياسة الدولية والإقليمية، الغاصّ بمشاهد العبث والمجون.
لإنعاش الذاكرة بخلفيات مسرح العبث هذا، الذي بلغ ذروة سنامه على أيدي فلاسفة حداثيين، ومثقفين كبار، وكتاب مسرحيين طليعيين، يجدر القول إن عوالم هؤلاء الرواد، ونصوصهم النقدية الصارمة للأحوال الأوروبية المضطربة في حقبة ما بين الحربين العالميتين، انطوت على مقاربات لاذعة للمفاهيم والقيم والمبادئ الرائجة في حينه، على نحو يعكس حالة القلق الإنساني والضياع الفكري، ناهيك عن الشعور باللاجدوى، وفقدان الثقة، وانعدام الهدف.
كانت فضاءات هذا الجنس المسرحي، وكان خطابه المثقل بالغرائبية والسيريالية، مبنيا على المجهول، راعفا بالدماء والدموع والتشاؤم والخراب العظيم. وكان من أبرز كتابه، فرانز كافكا واضع مسرحية "المسخ"، وصموئيل بكيت "في انتظار غودو"، وألبير كامو "صخرة سيزيف"، فضلاً عن يوجين يونسكو، وجان بول سارتر، وغيرهم من رواد مسرح اللامعقول، حيث كانت تؤدى تلك المسرحيات بعدد قليل من الممثلين، وتجري على خشبة تشبه غرفة ضيقة، رطبة وخفيفة الإضاءة، إمعانا في تعميق نوازع التوجس، واستجرارا للارتيابات والتساؤلات لدى المتلقين.
وبتأويل تلك المسرحيات المبكية المضحكة، إلى نماذج حوارية موازية لراهن المجريات الحالية، مع إجراء محاكاة سياسية مستلهمة من حيثيات الواقع اليومي الراهن، فإننا سنعثر على العجب العجاب، أو قل ما يماثل العبث السائد في مواقف وسياسات دول وزعماء، يفعلون ضد ما يقولون، ويظهرون عكس ما يبطنون، وكأنهم يؤدون أدواراً تمثيلية، على خشبة مسرح العبث سالف الذكر، ويبثون رسائل مبهمة، مثيرة للقلق والشك، وباعثة للمخاوف وربما الهلع، في كل الاتجاهات، تماماً على نحو ما كان عليه خطاب مسرح اللامعقول قبل نحو قرن.
وبعيداً عن نظرية المؤامرة اللعينة، من في وسعه اليوم فك لغز الموقف الأميركي الممعن في انكفائه، على الأقل حتى الآن، أمام التدخل العسكري الروسي في سورية، إذا لم يكن في الأمر استدراج لفخ أفعاني جديد؟ وكيف لنا أن نفهم مغزى تقاطع مصالح طهران وروسيا وتل أبيب على هذا النحو الفاضح، لخوض غمار هذه الحرب المعنونة ضد الإرهاب في الشكل، وللحفاظ على نظام الأسد في الجوهر؟ ومن يستطيع تفسير مهارة حكومة حيدر العبادي في اعتلاء ظهر حصانين معاً، أولهما التحالف الأميركي، وثانيهما التحالف الروسي، وإكمال الشوط حتى النهاية؟ ومن في مقدوره استيعاب مهزلة قيام بعثي يمني بزيارة طهران، ضمن وفد حوثي، وينتقل منها إلى بغداد، أي إلى البلد الذي اجتث حزب البعث؟
لا يتسع المقام لإعادة شريط طويل من الوقائع الخارجة عن كل مألوف، جرت كلها في غضون الأسبوع الماضي وحده، ومعظمها يدخل في باب "صدق أو لا تصدق"، لفرط افتقارها لأي منطق، الأمر الذي يبدو معه التدخل الروسي، الجاري على استحياء تحت مسمى الحرب المقدسة، وكأنه زلزال سياسي كاسر للتوازنات والمعايير، وضارب لشتى القواعد والمفاهيم المتواضع عليها من قبل، وحافل بالمفارقات الفارقات، بما في ذلك إنشاء حلف بغداد الجديد، بذريعة محاربة "داعش" الذي يبدو اليوم أقل المتضررين من خلط نابل الإرهاب بحابل الثورة في أرياف حمص وحماة وإدلب.
وأحسب أن نيكولا ميكيافيلي، فيلسوف نابولي ذائع الصيت، صاحب كتاب "الأمير" الشهير، وواضع أشد قواعد الحكم انتهازية في التاريخ، ونعني بها قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة"، كان سيضرب كفاً بكف، لو أنه عاش في زمن انقلاب المفاهيم هذا، ورأى بأم عينه كل هذه التحولات، العصية على فهم أشد دهاة عصر النهضة من أمراء المدن/ الدول الأوروبية. الأمر الذي يسوغ لنا القول: إن ما يحدث اليوم على قدم وساق، من وقائع عجيبة غريبة، على مسرح الشرق الأوسط، مشهد طبق الأصل، يحاكي ما حفل به مسرح العبث من لامعقوليات، عندما كان هذ الفن المسرحي في ذروة ازدهاره.

التعليق