براءة ذمة...

تم نشره في الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:04 مـساءً

في البيروقراطية الأردنية، عشرات الإجراءات التي على كل مراجع أو طالب خدمة المرور بها، سواء كان مقتنعا أم غير مقتنع بصحتها، ولسان حاله يقول: "مشيناها خطى كتبت علينا... ومن كتبت عليه خطى مشاها".
بعض هذه الإجراءات ضروري، فمن خلالها تتحدد مراكز الأفراد ومسؤولياتهم، وتحفظ حقوقهم والتزاماتهم. فيما بعضها الآخر لا معنى لوجوده، ولا للطريقة المتبعة في تأديتها واستكمالها، من حيث تعددها وتشعبها، ومجافاة متطلبات تنفيذها لقواعد سهولة وكفاءة ومنطقية الإجراءات.
في السنوات الأخيرة، تحدثنا كثيرا عن الحكومة الإلكترونية، وأسسنا وزارة أطلقنا عليها، تارة، التنمية الإدارية، وتارة أخرى تطوير القطاع العام. وتقلب على قيادة دفتها رجال ونساء قالوا إنهم بسّطوا الإجراءات وابتدعوا أنظمة لا مثيل لها في الجوار، وصدّعوا رؤوسنا بإنجازاتهم الإدارية التي اختصرت الوقت وأراحت المراجع وتلافت الأخطاء؛ وتحسب وأنت تستمع لهم أنك انتقلت إلى دبي أو سنغافورة أو الولايات المتحدة، حيث تنهي معظم إجراءاتك على نافذة واحدة، بلا تعقيد أو "مرمطة" لا مبرر لهما.
قبل أيام، راجع أحد الشباب ممن انتهت خدماتهم في المؤسسة التي عمل لديها لأكثر من ربع قرن، من أجل الحصول على "براءة الذمة"؛ الوثيقة التي تخلي طرف المستخدم من أي مسؤولية أو علاقة بالمؤسسة.
في المؤسسة، سلم مسؤول شؤون العاملين صديقنا المستقيل قائمة تتضمن أسماء المؤسسات والدوائر التي على صاحبنا مراجعتها والحصول على توقيع مدرائها، قبل أن تصدر له الشهادة التي تخلي طرفه من المسؤولية.
على القائمة التي سلمت للمهندس المستقيل؛ "قائمة العذاب"، زيارات ومراجعات لأكثر من اثنتي عشرة دائرة ومؤسسة حكومية، كما كل الأقسام والدوائر التابعة للمؤسسة التي عمل فيها. وبعض هذه المؤسسات يعرفها والأخرى لم يسمع بها قبل يومه ذاك.
الجولة التي لامعنى لها، والتي تتطلب الذهاب إلى مواقع المؤسسات ومقراتها بالرغم من وجود البيانات الإلكترونية وبرنامج الحكومة الإلكترونية،هي تمرين مفزع ومتعب ومزعج لا معنى له. فما معنى أن يراجع مهندس سلطة المصادر الطبيعية، ومؤسسة الإقراض الزراعي، والمنظمة التعاونية، وصندوق التنمية والتشغيل، وصندوق التوفير البريدي، وغيرها من الدوائر المتناثرة في زوايا وجنبات غرب وشمال العاصمة؟! ولماذا على صاحبنا أن يذهب إلى المالية والأموال العامة وضريبة الدخل، وجميعها تتبع لوزارة المالية؟! أما من طريقة لاشتراك المؤسسات في استخدام البيانات التي تمكن شؤون العاملين في أي مؤسسة من تحديد ما إذا كان الموظف المستقيل ملتزما أو مستعيرا أو مرتبطا بصلة أو علاقة مع بقية مؤسسات القطاع الذي عمل فيه؟
في وسط أزمة المرور، وندرة المواقف، كما تغيب وتسيب موظفين، وجهل بعضهم بالإجراءات، واعتماد بعض التواقيع على تواقيع كان ينبغي أن تأتي قبلها، أمضى صاحبنا رحلة من العذاب والقهر استمرت خمسة أيام، أشعلت في صدره الغضب والإحباط والتأفف، مستذكرا خطابات وزارة التنمية الإدارية التي تحدثت عن التطوير الإداري والجوائز التي حصدتها.
مؤتمرات رؤساء الحكومات وهم يتحدثون عن إنجازات الحكومة الإلكترونية العتيدة، التي قالوا فيها إنك تستطيع أن تستدعي بموجبها كل المعلومات لمحطة واحدة، بما يوفر الوقت والجهد والمال ويعجل الإجراءات، كانت مجرد أحلام ظن الحالمون أنها حقيقة.
غضب صاحبنا وتأففه، ورحلة طواف وداعه للبيروقراطية الأردنية وخطاباتها غير المتطابقة مع الواقع، قادته لأن يستنتج أن أسباب تعثر التنمية وهروب المستثمرين وتدهور مستوى الثقة بالخدمات الحكومية والقائمين عليها.. ليس تقصيرا في خطابات الترويج ولا عروض الفرص التنموية المتاحة والإعلانات التي نستميل من خلالها رؤوس الأموال، وإنما السبب هو إجراءات "التطفيش" التي تتولى تنفيذها البيروقراطية الأردنية، إذ تبدو كأنها تعمل بعقلية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صحيح وأزيد (شاهر حمدان)

    الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    عاليوم لو تدار بعقلية الدولة العثمانية بل تدار بأسوأ مما هي عليه لانه هناك لم يكن تطور تقني ولا حكومة الكترونية فما معنى اننا نصرف على التطوير وفي الاخر نرجع الى العمل اليدوي وهذا سبب في تراجع مكانة الاردن في جدول التنافسية العالمي الى مراكز متدنية بالرغم من انه مع بداية تطبيق بعض البرامج قفزنا مراكز جيدة ثم ما لبثنا ان عدنا للوراء وكان لسان حالنا يقول الى الوراء سر
  • »صح لسانك (ابو مصطفى)

    الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    صح لسانك دكتور صبري
  • »الى متى (عدنان السعودي)

    الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    إلى متى ستبقى البيروقراطية جاثمة على صدورنا في هذا البلد الطيب أهله....إلى متى سيبقى المواطن، ناهيك عن أصحاب الاستثمار يئن تحت وطأة وضغط هذه الإجراءات التي لا داعي لها على الاطلاق في ظل وجود حكومة الكترونية كما يدعى....سلم فكرك وقلمك دكتور صبري على ما تكتب وتضع يدك على كثير من الجروح....مع الاحترام والتقدير....