المصارف الإسلامية والطموح لتوحيد المعايير

تم نشره في الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً

القمة العالمية الثانية للاقتصاد الإسلامي للعام 2015 في دبي أتى انعقادها بعد أن أثبت قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية ونموذجه في التمويل القدرة والكفاءة العاليتين في مواجهة التحديات التي واجهها قطاع المصرفية التقليدية في العالم، خاصة بعد تداعيات الأزمة المالية على الاقتصاد العالمي وعلى القطاع المصرفي بشكل خاص، وبدأت العديد من دول العالم تسعى للاقتراب من هذا القطاع والاستفادة منه كأداة للحصول على السيولة لمعالجة الاختلالات المالية التي شهدتها اقتصاداتها بسبب انهيار العديد من كبرى البنوك والمؤسسات المالية لديها؛ حيث شهد هذا القطاع نموا سريعا وانتشارا واسعا على المستوى العالمي، تحدثت هذه القمة في مواضيع عدة تهم الاقتصاد الإسلامي مثل فرص الاستثمار وحاجاتها التمويلية، وقطاع التمويل وتصنيع المنتجات الغذائية الحلال وقطاع السياحة إضافة الى الاهتمام بتمويل المؤسسات المتوسطة والصغيرة، ولكننا نتوقف في هذه المقالة عند قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية وما أجمع عليه مجموعة من الرؤساء التنفيذيين لبعض المصارف الإسلامية، وهو ضرورة توحيد المعايير والتشريعات الخاصة بالمصارف الإسلامية، والتي يمكن إيجازها في المجالات الآتية:
- إدارة السيولة: يكثر الحديث عن تعمد المصارف الإسلامية في الاحتفاظ بمعدلات سيولة مرتفعة أعلى من معدلات السيولة في مثيلاتها من البنوك التقليدية؛ حيث تعد السيولة من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية في أيامنا هذه بسبب مبررات عدة منها عدم قدرة هذه المصارف على اللجوء للبنك المركزي كمقرض أخير عند حاجتها إلى السيولة بسبب سعر الفائدة الذي يفرضه البنك المركزي، ومما لا شك فيه، فإن هذا يؤثر سلبا على معدل الربحية المتحقق للبنك وكذلك على أصحاب الودائع الاستثمارية الذين ينتظرون العائد على كامل وديعتهم.
وإذا كنا قد نعذرها؛ أي المصارف الإسلامية، في هذا الجانب لتجنبها التعامل في سعر الفائدة، إلا أننا نرى أن توظيف الفائض من السيولة يجب أن يتجه كذلك إلى الاستثمار متوسط وطويل الأجل مثل الاستثمار في الصناديق الاستثمارية الإسلامية والصكوك الإسلامية؛ حيث تعد هذه الأخيرة من الموجودات شبه السائلة في الوقت الذي أصبحت فيه اليوم الأدوات الاستثمارية الإسلامية متنوعة وقد قطعت شوطا مهما في هذا الاتجاه.
- إدارة الأصول: وتعد إدارة الأصول أهم وسيلة لتبني استراتيجية نمو وتطور للمصرفية الإسلامية لتمكينها من الابتكار لمنتجات مالية جديدة تلائم حاجة السوق المصرفي المحلي والعالمي وتلبي حاجة عملائها وفق مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية في الوقت الذي يتوقع فيه خبراء مصرفيّون أن تصل حصة المصارف الإسلامية إلى ما يقرب 45 % من إجمالي أصول المصارف العربية مع نهاية العام 2014، والتي من المقدر لها أن تصل الى تريليوني دولار في نهاية العام الحالي، وهذا يؤشر على زيادة في نسبة نمو أصولها مقارنة مع نمو أصول المصارف التقليدية، ومن المهم أيضا في إدارة الأصول المالية هو الشفافية مع المستثمرين والعملاء ووضوح في الأدوات الاستثمارية المتوفرة لديها وكيفية استخدامها.
- البنية التشريعية: وحتى تتمكن المصارف الإسلامية من تأدية رسالتها الأخلاقية ووظيفتها المالية الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية، فلا بد من توفير بيئة تشريعية وقانونية تساعدها على الابتكار والتجديد لمنتجاتها المالية، وذلك من خلال إعادة صياغة للعلاقة مع البنوك المركزية يُراعى فيها خصوصية المصارف الإسلامية ووضع القوانين والتشريعات التي تساعدها على تأدية دورها بما ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة أنها تستحوذ على حصة مصرفية تقارب الـ20 % في بعض أماكن وجودها.
- إيجاد مرجعية موحدة: ومن الأهمية بمكان إيجاد مرجعية موحدة لعموم المصارف الإسلامية تعمل على تنسيق العلاقات فيما بينها ويتم الرجوع اليها في بعض الأمور الخلافية، ومع قناعتنا بضرورة وجود مثل هذه المرجعية إلا أنها أحيانا تصطدم بالقوانين والتشريعات السيادية لبلدان تواجدها، مما يجعلها غير قادرة على التدخل عند الضرورة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن اختلاف المدارس الفقهية في العديد من المجتمعات الإسلامية العاملة بها بعض المصارف الإسلامية سينعكس بكل تأكيد على الدور المرجو من هذه المرجعية، لهذا كنا وما نزال ندعو علماء الأمة وفقهاءها الى توحيد الآراء خدمة لمستقبل الصناعة المصرفية الإسلامية.
وإننا على قناعة تامة بأن أي مكسب أو نجاح تحققه هذه الصناعة سينعكس إيجابا على اقتصاديات هذه الدول وزيادة مقدرتها على تقديم التمويل اللازم للقطاعات الاقتصادية ذات الحاجة وستكون قادرة أيضا على خلق بيئة استثمارية جاذبة والدخول في استثمارات حقيقية تلبي حاجات مجتمعاتنا من التمويل اللازم بدل اللجوء إلى مصادر التمويل ذي الكلفة المرتفعة بسبب سعر الفائدة، سواء كانت هذه المصادر داخلية أم خارجية، إضافة إلى عنصر الثقة والأمان الذي يبحث عنه أي مستثمر.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق