المشروع الإيراني في سورية: لماذا تحول الأسد إلى موسكو لطلب العون؟

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً
  • موقع قصفته قوات النظام في منطقة دوما في العاصمة السورية دمشق - (أرشيفية)

كريستوف رويتر - (ديرشبيغل) 6/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كانت إيران تقوم منذ وقت طويل بإرسال القوات والمعدات لمساعدة المستبد السوري بشار الأسد في شن حربه على شعبه. لكن طهران أصبحت منكبة الآن على تأسيس دولة داخل دولة -وهو السبب في أن الأسد أصبح يريد المساعدة الآن من روسيا.
*    *    *
كان خوفه من أعدائه هو السبب الرئيسي وراء طلب بشار الأسد المساعدة من موسكو. "لكن خوفه من أصدقائه سرعان ما جاء في أعقاب ذلك مباشرة"، كما يقول مسؤول روسي كان قد عمل لفترة طويلة في سفارة بلاده في دمشق. والصديق الذي يشير إليه هو إيران؛ أهم حماة النظام السوري.
ويقول المسؤول الروسي: "يشعر الأسد والذين من حوله بالخوف من الإيرانيين". ويضيف أن الغضب من غطرسة الإيرانيين الذين يعاملون سورية وكأنها مستعمرة، هو أيضاً جزء من ذلك. ومع ذلك، فإن الأهم من كل شيء هو أن السوريين "لا يثقون بغايات طهران، التي ربما لم يعد احتفاظ الأسد بالسلطة أمراً مهماً بالنسبة إليها. وهذا هو السبب الذي يجعل السوريين يريدوننا حتماً في البلد".
ما يقوله الدبلوماسي الروسي، الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه، يبدو متناقضاً قليلاً للوهلة الأولى الأولى. فلولا المساعدة الشيعية من إيران وأفغانستان وباكستان والعراق ولبنان -والتي يقوم بتنظيمها الحرس الثوري الإيراني- لكان نظام الأسد قد انتهى منذ وقت طويل. لكن تعليقاته تستكمل بعدد من التفصيلات التي تضيف إلى صورة الصراع الجاري على السلطة وراء الكواليس -وهو ما يسلط ضوءاً جديداً ومرعباً على حالة النظام السوري وعلى مستقبل البلد ككل.
لطالما خطط الحرس الثوري الإيراني ونفذ معظم المهمات والعمليات المهمة للنظام السوري. وكان مسؤولاً، حتى أدق التفاصيل، عن الهجمات الناجحة من وقت إلى آخر في حلب في الشمال، ودرعا في الجنوب، والتي بدأت في العام 2013. وفي إيران، يعد الحرس الثوري من تلك المجموعات العازمة على مواصلة "الثورة الإسلامية" -أي انتصار الشيعة على السنة. وهو يشكل دولة داخل دولة، حيث يمتلك العديد من الشركات ويتبع فقط المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي. ولا يملك الرئيس حسن روحاني أن سلطة من أي نوع على الحرس الثوري.
تذهب أهداف الحرس الثوري إلى ما هو أبعد من مجرد إعادة تأسيس الوضع الراهن في سورية. ففي وقت مبكر من العام 2013، قال حجة الإسلام مهدي تائب، أحد المخططين وراء انخراط إيران في سورية: "إن سورية هي المحافظة 35 في إيران، وهي ذخر استراتيجي لنا". ولعقود عدة، كان التحالف بين عائلة الأسد وإيران تحالفا مربحاً، خاصة فيما يتعلق بمعارضة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي لطالما كانت له اليد العليا في المنطقة. لكن الأسد أصبح يعتمد اليوم على إيران للبقاء في السلطة، وفي المقابل تحاول إيران أن تستفيد من هذا الوضع.
باستخدام مجموعة من الطرق، المدنية والعسكرية على حد سواء، تبدو طهران راهناً قيد تنفيذ عملية تأسيس نفسها في سورية. وفي الأثناء، يجري توظيف السبل العسكرية لتعزيز قبضة الميليشيا الشيعية لحزب الله على المناطق القريبة من الحدود مع لبنان. ولخدمة هذا الهدف، تم تأسيس قوات الدفاع الوطني السورية، وهي قوات توجد على طول الخط مع الجيش السوري النظامي وتضم عشرات الآلاف من المقاتلين الذين كانوا قد تلقوا التدريب في إيران. ومع ذلك، بدأت قوات الدفاع الوطني في التفكك إلى ميليشيات مافيا محلية، بل إنها ساعدت في الحقيقة في مسارعة فقدان الدولة سيطرتها على تلك المناطق.
التغييرات على قدم وساق
مع ذلك، فإن التغييرات الرئيسية هي تلك الجارية في القطاع المدني على قدم وساق. فتماماً كما في دمشق واللاذقية وجبلة، ثمة أعداد متزايدة من الحسينيات -مراكز التعليم الدينية الشيعية- التي تفتح أبوابها. وتهدف هذه المراكز إلى تحويل السنة -وحتى العلويين، الطائفة التي تنمي إليها عائلة الأسد- إلى الإسلام الشيعي "الصحيح" عن طريق المواعظ والمساعدات. وبالإضافة إلى ذلك، أصدرت الحكومة قبل عام مرسوماً يقضي بأن تقوم المدارس الدينية التي تديرها الدولة بتدريس المواد الشيعية.
كل هذا يحدث ليثير رعب العلويين الذين بدأوا في الإعراب عن عدم رضاهم. واشتكى العلويون على صفحة أخبار جبلة في وسيلة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" من أنهم "يعيدوننا ألف سنة إلى الوراء. نحن لا نرتدي حتى غطاءً للرأس ونحن لسنا شيعة". كما ظهرت مشاعر امتعاض عندما تم افتتاح مسجد شيعي في اللاذقية؛ حيث قال الإمام هناك: "إننا لا نحتاج إليكم. إننا نحتاج إلى أولادكم وأحفادكم".
بالإضافة إلى ذلك، بدأ مبعوثون إيرانيون، سواء مباشرة أو عبر وسطاء، في شراء أراض وعمارات في دمشق، بما في ذلك معظم الحي اليهودي السابق، كما يحاولون توطين شيعة من بلدان أخرى هناك.
يلخص طالب إبراهيم، وهو صحفي علوي من بلدة المصيف، والذي كان قد هرب إلى هولندا قبل سنوات عديدة، يلخص المزاج السائد كما يلي: "يريد الأسد الإيرانيين كمقاتلين، لكنهم يتدخلون إيديولوجياً في الشؤون المحلية بازدياد. أما الروس فلا يفعلون ذلك".
هذا هو السبب في أن الأسد قرر الآن وضع مصيره في أيدي روسيا التي لا تثير المشاكل الدينية، والتي أرسلت طائرات وقوات إلى قاعدتها العسكرية في بلدة اللاذقية السورية الشمالية مؤخراً، وبدأت في تنفيذ ضربات جوية. ومع أنه تم استخدام القتال ضد إرهاب "الدولة الإسلامية" وميليشياتها كذريعة للعملية، فإن الضربات الجوية الروسية الأولى لم تستهدف الإسلاميين على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، قامت بطلعات ونفذت ضربات ضد مناطق يسيطر عليها الثوار السوريون.
تطهير طائفي
مع ذلك، يبقى مثار شك ما إذا كان يمكن عكس وجهة النفوذ الإيراني في البلد. وتخدم المفاوضات في بلدة الزبداني السورية في إظهار مدى التقدم الذي أحرزه "المشروع الإيراني". وتعد البلدة التي تقع إلى الشمال الغربي من دمشق، والمطوقة منذ ثلاث سنوات حتى الآن، بلدة مهمة استراتيجياً لميليشيات حزب الله الشيعية. وتمثل الزبداني التي يسيطر عليها الثوار آخر عائق كبير يقف في وجه خطة حزب الله لجلب معظم منطقة الحدود السورية التي تحيط بلبنان تحت سيطرته. وفي بداية شهر تموز (يوليو) الماضي، بدأ حزب الله هجوماً واسعاً على الزبداني. وفي الرد على ذلك، فرض الثوار في إدلب الحصار وشرعوا في إطلاق النار على قرى فوع وكفريا، حيث يعيش أكثر من عشرة آلاف شخص من الأقلية الشيعية. ثم تدخلت طهران وبدأت التفاوض مباشرة مع الثوار السوريين، بما في ذلك جبهة النصرة. ولم تكن القيادة في دمشق مشاركة في هذه المباحثات.
وقد تم التوصل إلى صفقة مع الثوار، والتي ذهبت أبعد كثيراً مما وافق عليه الأسد في أي وقت على الإطلاق. لكنها صفقة قابلة للانفجار. وهي تظهر أن الإيرانيين لم يعودوا يعتقدون بإمكانية انتصار الأسد، كما تظهر أن تقسيم البلد قد بدأ فعلاً، بما في ذلك عمليات التطهير الطائفي.
تدعو اتفاقية وقف إطلاق النار المذكورة كل السنة الذين يعيشون حالياً في الزبداني إلى مغادرة المدينة في اتجاه إدلب. وفي المقابل، سيسمح للشيعة في فوع وكفريا بإعادة الاستيطان في الجنوب. وسيكون وقف إطلاق النار ساري المفعول في سلسلة كاملة من البلدات والقرى في المنطقة، كما تدعو الصفقة إلى عدم اختراق طائرات النظام السوري للمجال الجوي للبلدة، على غرار منطقة حظر للطيران.
ويشكل ذلك التفافاً عميقاً على استقلالية النظام، ويقوم الأسد فعل كل ما يستطيع فعله لمقاومة تنفيذ الصفقة التي تشتمل أيضاً على إطلاق سراح 500 سجين.
لقد وصل حجم التدخل الإيراني الذي أُطلق له العنان في داخل عن أن دائرة الأسد بالكاد إلى العالم الخارجي. لكن بعض الشخصيات الأكثر نفوذاً في النظام -أولئك الذين عارضوا ألعاب القوة الإيرانية- قد اختفت في الفترة الأخيرة، بعضهم في غمرة ظروف غامضة.
فلل متفجرة
في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، جرى نسف عزبة الجنرال رستم غزالة، رئيس مديرية الأمن السياسي السوري، والتي تقع مباشرة إلى الجنوب من دمشق، وتم تصوير التفجير في فيلم. وتم بث شريط الفيديو، المرفق بموسيقى ميلودرامية وتعهدات بالولاء للأسد، على الإنترنت. وبعد ذلك بوقت قصير، تعرض غزالة للضرب حتى الموت من قبل رجال يتبعون للأجهزة السرية السورية، وكان من بينهم إيرانيون. والسبب: مقاومة غزالة للميليشيات الشيعية التي كان قدر رفض أي تعاون معها من أي نوع. وقالت مزاعم أن الإيرانيين أرادوا استخدام فيلته كمقر رئيسي لهم، وهو السبب الذي جعل غزالة يقوم بتدميرها.
وفي تموز (يوليو)، جاء الدور على الجنرال ذو الهمة شاليش، الذي كان لعقود رئيساً للحرس الرئاسي، وهو قريب وثيق لعائلة الأسد. وذكرت وسائل الإعلام السورية الرسمية أن الفساد كان السبب وراء خفض رتبته بشكل تعسفي. وهو ادعاء مثير للشكوك على ضوء أن شاليش لم يكن فاسداً وحسب. لقد كان رأس الفساد، حيث كان متورطاً في صفقات العقارات والمخدرات والأسلحة. وبالإضافة إلى ذلك، كان الشخصية الرئيسية في نظام التجارة غير المشروعة الضخم الذي شهد تهريب ما قيمته ملايين الدولارات من الأسلحة والتكنولوجيا عبر سورية إلى بغداد، في انتهاك للحظر الذي كان مفروضا آنذاك على العراق. وتم اكتشاف التجارة غير المشروعة في جزء منها من جانب الولايات المتحدة في العام 2003، وهو ما جلب نظام الأسد أقرب إلى الانهيار نتيجة للضغط الخارجي من أي وقت في السنوات الثلاثين السابقة.
في ذلك الحين، لم يبدُ أي أحد في سورية مهتماً على نحو خاص بنشاط الجنرال شاليش غير المشروع. وهكذا، بدت عملية تنزيل رتبته منطوية على القليل مما له صلة بممارساته التجارية الفاسدة، وإنما لها علاقة بدوره كرئيس للحرس الرئاسي.
يظهر هذان المثالان مدى الضغط الإيراني الذي يمارس على الأسد –إلى النقطة التي لم يعد يستطيع معها حتى حماية أقرب ثقاته. وقد يصبح في نهاية المطاف خطيراً عليه هو نفسه.
يقول دبلوماسي أوروبي له اتصالات طويلة الأمد مع دمشق: "منذ مغادرة شاليش، يتمتع الإيرانيون بوصول مباشر وفسيولوجي إلى بشار". وتتوفر الحماية للأسد راهناً من جانب الإيرانيين الذين يستطيعون التخلص منه بسهولة إذا أرادوا ذلك.
تضع قوات موسكو الأسد في وضع أكثر راحة قليلاً. فهو يستطيع الآن، بدرجة محدودة، أن يجعل القوتين اللتين توفران له الحماية في مواجهة بعضهما بعضا، بينما يستطيع الاستمرار في حملته ضد بلده. وهي حملة لن يكسبها، لكنه لن يخسرها أيضاً في المستقبل المنظور.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
The Iranian Project: Why Assad Has Turned to Moscow for Help

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق