جمانة غنيمات

التقاعد المدني: الأرقام صادمة

تم نشره في الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:09 صباحاً

من التشوهات الحقيقية والمعيبة في الإنفاق العام، والتي تؤخر الحكومات الاقتراب منها كونها تمس امتيازات ومكتسبات مسؤولين، ذاك التشوه المتعلق بالتقاعد المدني. إذ تأتي حكومة وترحل من دون حتى أن تفكر بالقضية، رغم ما تستنزفه من موارد مالية كبيرة.
التقاعد المدني ما يزال مشوها وغير منظم؛ إذ فيه مكتسبات تُعطى من دون وجه حق للمسؤول. فأن يكون الشخص وزيرا لشهر واحد فقط، هو سبب كاف لحصوله على راتب تقاعدي مدى الحياة! وفي ذلك تطاول على حق الخزينة، وحقوق المواطنين دافعي الضرائب الذين يذهب جزء ليس بالقليل من أموالهم لتسديد فاتورة تقاعد الوزراء وكبار المسؤولين، حتى لو لم يخدم أحدهم البلد بمقدار راتب تقاعدي لشهر واحد.
إصلاح بند التقاعد يصبح أكثر إلحاحا في ظل الحديث عن إصلاح مالي ما يزال مجتزءا ونظريا، مع عدم النظر -إضافة لتشوهات أخرى بالتأكيد- إلى العبء الكبير الذي يلقيه على الموازنة العامة وبند الإنفاق الجاري تحديداً، وتواصل تضخم فاتورة هذا التشوه إلى مستويات خطيرة، لم يعد معها العلاج هيّناً.
وإن رغبت الحكومة الحالية في تحقيق إنجاز فعلي، فإن عليها اتخاذ مثل هذا القرار الإصلاحي الشجاع، بدلا من البحث في تفاصيل فرعية هامشية، لاسيما أيضاً أن لمثل هذه الخطوة بُعدا مفيدا على مستوى معالجة التشوهات المالية عموماً، بالتخلص من بند يستنزف الموارد عبر محاباة مسؤولين، تستفزّ بدورها المجتمع ككل.
بالأرقام، نما بند التقاعد خلال السنوات الخمس الماضية بشكل مطّرد وكبير؛ إذ زادت فاتورته بمقدار 420 مليون دينار خلال هذه الفترة. ففي العام 2010، بلغت فاتورة التقاعد نحو 744 مليون دينار، لتقفز إلى 862 مليون دينار في العام التالي، وصولاً إلى 982 مليون دينار في العام 2012. ثم تجاوزت هذه الفاتورة مبلغ مليار دينار في العام 2013، وصولا إلى 1.11 مليار في 2014. فيما يتوقع أن تبلغ 1.165 مليار دينار نهاية العام الحالي.
بند التقاعد ليس إلا نموذجا واحدا مستفزا لأشكال غياب العدالة والمساواة بين الأردنيين، وقد تأخر إصلاحه. إذ كانت الخطط تقضي بتراجع قيمته وصولا إلى اختفائه، أو انخفاضه لمستويات غير مكلفة.
لكن التسويف والتأجيل الحكوميين، بسبب تقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، كما بسبب الخشية من القرارات الإصلاحية الحقيقية، أديا إلى نتائج عكسية؛ بأن صارت فاتورة التقاعد تنمو وتتضاعف بمبالغ تؤخذ بغير وجه حق.
الزيادة في الفاتورة تتعلق بشكل أساسي بالامتيازات التي ما يزال كبار المسؤولين والوزراء يحصلون عليها. فليس صحيحا القول إن الارتفاع هنا ناجم عن النمو الطبيعي لهذا البند، لأن الزيادة الطبيعية لا يمكن أن تصل لهذه القيمة، بحسب الدراسات والأرقام المتوفرة.
ما يزال أمام حكومة د. عبدالله النسور متسع من الوقت لاتخاذ هذه الخطوة الشجاعة، ولتكون جزءاً من رصيد إنجازاتها، لاسيما أن ثمة وزراء في الفريق الحكومي يدعمون هذه الخطوة التي توقف نزف الموارد المالية بعيدا عن معايير العدالة.
بصراحة، العدالة تقتضي أن تُحسب خدمة المسؤول في الحكومة مهما علا منصبه، كجزء من مسيرة عمله، إذ يخضع الجميع لقانون تقاعد الضمان الاجتماعي؛ على أن يستحق التقاعد وفق المعايير العادلة المطبقة على الأردنيين كافة، من دون تمييز للمسؤول فقط لكونه شغل منصباً مهما وكبيرا.
والموقف الأخلاقي يقتضي من جميع المسؤولين دعم هذه الخطوة، وربما بمبادرة ذاتية؛ لتكون الرسالة الأهم هي مساعدة الموازنة العامة على حل مشكلاتها، وأيضا بث رسالة إيجابية للمجتمع بأن الحكومة تؤمن بالعدالة وتساوي الفرص بين الجميع.
النمو الكبير في بند التقاعد صادم. وفي حال لم يتم إصلاحه، فسيبقى سبباً في هدر الموارد، وتكريس حالة من غياب العدالة. ولنا أن نتخيل أن قيمة هذا البند ستصل قريباً ملياري دينار سنويا إن تأخر العلاج.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »على العكس (زياد نوح)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    وفي نفس الوقت تقاعد الموظفين العاديين لا يكفيهم قوت يومهم فهو اقل من راتبهم ايام العمل مع كبر الاولاد وحاجتهم لدخول الجامعات والمصاريف الزائدة
  • »سؤال للضمير؟ (ابو خرابيش)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    هل قدم معظم هؤلاء الوزراء وكبار المسؤولين ما يسوى المليار دينار للوطن؟
    لا حول الله ولله المشتكى.
  • »لو كان (رياض غنما)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    تعقيبا على مقال السيدة جمانة غنيمات, كلامك دائما صحيح, لو كان من اهداف الحكومات المتعاقبة اصلاح بند التقاعد, لو كان هم المسؤول احقاق العالة, لو كان المتنفذون همومهم هي مصلحة البلد, لو كان عند البعض مواقف اخلاقية, لو كان هنالك تغليب للمصلحة العامة على المصلة الشخصية, لكان لك ما طلبتي, ولكن لسان حال المسؤول تقول, اللهم نفسي, اذا لم تذهب الاموال بشكل تقاعد وامتيازات للمسؤولين, فمصير تلك الاموال لجيوب البعض بسبب الفساد, لذلك الاولى بها هو المسؤول.
    الفساد المستشري يبيح المال العام للمسؤولين بالطرق الشرعية, بما ان الاموال منهوبة على الحالين, يري المسؤول حلال ان يأخذا على شكل تقاعد وامتيازات.
  • »لقد بح الصوت (huda)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    العدالة تقتضي ان يخضع الجميع بمظلة الضمان الاجتماعي عملا بمبدأ المساواة بين الجميع فهذه الاموال هي اموال دفعي الضرائب اي اموال مجموع المواطنيين واستمرار الوضع كما هو عليه بات امرا مستفزا للمواطن دافع الضريبة فلماذا يدفع الضريبة ان كان يعلم ان امواله ستذهب لتنفيع مسؤولين وبرأيي الشخصي فان هذا الموضوع هو الفيصل فيما اذا كانت الدولة جادة في الاصلاح ثم لا ادري لماذا يسكت صندوق النقد الدولي مثلا عن بند يكلف الدولة اكثر من مليار دينار فيما يطالب الدولة برفع الدعم عن الخبز والكهرباء والمياه
  • »التقاعد المدني الارقام صادمة (هدهد منظم *اربد*)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    بسم الله الرحمن الرحيم بادئ ذي بدء الحق اقوله للاعلامية الكبيرة الاستاذة جمانة غنيمات المحترمة بانني اشكرك جزيل الشكرعلى تناول هذا الموضوع الهام جدا والذي اصبح ضرورة ملحة وفي نفس الوقت اتفق تماما قلبا وقالبا مع كل ما جاء في المقال الرائع الذي سلط الضوء على المشكلة من كافة جوانبها وابعادها بكل كفاءة ودقة وموضوعية وعدالة وانصاف ووقوف الى جانب حضرة الوطن ولكنني اختلف مع تلك التبريرات التي تم تبريرها للحكومات السابقة وهنا أقتبس (من التشوهات الحقيقية والمعيبة في الإنفاق العام، والتي تؤخر الحكومات الاقتراب منها كونها تمس امتيازات ومكتسبات مسؤولين، ذاك التشوه المتعلق بالتقاعد المدني. إذ تأتي حكومة وترحل من دون حتى أن تفكر بالقضية، رغم ما تستنزفه من موارد مالية كبيرة. ) واقتبس ايضا( بند التقاعد ليس إلا نموذجا واحدا مستفزا لأشكال غياب العدالة والمساواة بين الأردنيين، وقد تأخر إصلاحه. إذ كانت الخطط تقضي بتراجع قيمته وصولا إلى اختفائه، أو انخفاضه لمستويات غير مكلفة.) واقتبس ايضا( لكن التسويف والتأجيل الحكوميين، بسبب تقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، كما بسبب الخشية من القرارات الإصلاحية الحقيقية، أديا إلى نتائج عكسية؛ بأن صارت فاتورة التقاعد تنمو وتتضاعف بمبالغ تؤخذ بغير وجه حق.) وعليه فاننا ضد هذه التبريرات لان ما قامت به تلك الحكومات السابقة كان مقصودا ومتعمدا حيث عطلت الخطط والاستراتيجيات التي كلفت الدولة الكثير الكثير من الجهد والوقت والمال والدراسات والابحاث الامر الذي ادى الى استنزاف خزينة الدولة واغراق البلاد بالكثير من الديون المتراكمةعبر الزمن لذا فاننا لن نبرر لهم جرائمهم بحق الوطن والمواطن ولو كنت في موقع المسؤولية لحاسبتهم بموجب القانون لان القانون كما يحاسب من ارتكب فعلا مخالفا له فانه ايضا يحاسب كل من امتنع عن تنقيذه او عطل الخطط والاستراتيجيات او قام برهن اقتصاد الوطن للمجهول او غلب مصلحته الشخصية على مصالح البلاد والعباد وادى بذلك الى استنزاف خزينة الدولة لن نبرر لهم جرائمهم بحق الوطن والمواطن وقد سبق لنا ان افترضنا بهم حسن النية الى ان ثبت لنا العكس لن نبرر لهم جرائمهم بحق الوطن والمواطن لانه تبين لنا بان افعالهم منظمة تنظيما سلبيا بامتياز خلاصة القول اتفق تماما مع النظرة التفاؤلية التي وردت في المقال تجاه حكومة دولة ابا زهير حفظه الله وانا على ثقة تامة بانها ستضع هذه المشكلة على طاولة مجلس الوزراء الموقر لغايات بحثها وتبنيها بكل امانة واخلاص وشجاعة كما تبنت الكثير من المشاكل والازمات التي رحلت من الحكومات السابقة والله ولي التوفيق
  • »لا امل... (غريب)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    لا أمل في أي اصلاح او مراجعة، في الأردن كل شيء يسير من سيء الى اسوأ، وذلك ليس تشائما او سوداوية، والأيام هي الحكم.