إبراهيم غرايبة

المؤسسات الدينية ليست هي الدين

تم نشره في الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:05 صباحاً

الحديث عن إدارة وتنظيم الشأن الديني في الدولة والمجتمع، ليس دينا، ولكنه جدل عام وسياسي، يشبه الجدل حول دور وزارة التموين؛ هل نحتاج إليها أم ندمجها في وزارة التجارة أم نستغني عنها؟ ولا يتصل انتقاد أو تأييد التعليم الديني في المدارس والجامعات، أو دور وزارة الأوقاف والـ"محاكم الشرعية"، بفهم ديني أو موقف من الدين أو العلمانية أو السلفية أو الديمقراطية... وإنما هو جدل وطني وعام، لا يقع أبدا في دائرة الحلال والحرام أو الكفر والإيمان.. ولا المكروه أيضا.
ليس هناك تكليف ديني أمر به الله أن تتولى وزارة التربية التعليم الديني؛ فأن يكون في المناهج التعليمية مساق للتربية الإسلامية أو لا يكون، أو أن يكون محتواه تعليميا أو تطبيقيا، أو لأي مرحلة يكون أو لا يكون، هي مسائل تنظيمية سياسية (وسلطوية أيضا). وأن تكون كليات الشريعة جزءا من الجامعات، أو مؤسسات اجتماعية أو خاصة مستقلة، أو أن لا توجد، وأن يكون محتواها علما وفلسفة أو تأهيلا مهنيا لأئمة ودعاة، أو مذهبيا أو بلا مذاهب... هي كلها وغيرها من المسائل شأن عام وسياسي، مثل الجدل حول كليات العلوم والتربية والأعمال. ولم يأمر الله المسلمين أن يكون لديهم وزارة للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية. وإن وجدت هذه الوزارة، فليس أمرا من الله أن تتولى شؤون الدعوة والإمامة والوعظ والإرشاد والمساجد، وأن تنفق عليها. وليس أمرا دينيا أو إلهيا أن تكون "المحاكم الشرعية" مستقلة بنفسها وليست جزءا من المحاكم العامة "النظامية"؛ على العكس، فإن فصل المحاكم الشرعية عن النظامية هو العلمانية. لماذا يكون قاضي المحاكم "الشرعية" شرعيا، وقاضي المحاكم الأخرى ليس شرعيا؟ ما صفة وحكم قاضي محكمة البداية؛ هل هو ليس شرعيا؟ فإذا كنا ندعو إلى تطبيق الشريعة، فإن ذلك يشمل جميع المحاكم والمؤسسات. والأصل في بلد إسلامي أن يكون قاضي الأحوال الشخصية (وليس القاضي الشرعي) جزءا من المنظومة القضائية في البلد، وبخاصة أن قانون الأحوال الشخصية في الأردن قانون عام أقره البرلمان. وهذا هو المعنى العملي لتطبيق الشريعة.
لا بأس في الجدل الذي يثيره مشتغلون في الشأن الديني والعام حول دور ووجود مؤسسات الدولة. لكن تحويل هذا الجدل إلى صراع مزعوم بين الإسلام وما ليس إسلاما، هو اعتقاد أو توهم بأن مصالح ومواقف هي الدين؛ وهذا أسوأ ما يظنه مشتغلون بالشأن العام.
ولا بأس في أن يكون هناك -بل هو ضروري- مواطنون دعاة أو صحفيون يعملون في مؤسسات دينية. هذا يعني أنك تعمل في مؤسسة يمولها دافعو الضرائب، مثل أن تكون مدير اللوازم في معهد "البولتكنك". ويمكن أن يكون وزير الأوقاف وزيرا للأشغال (وهذا ما حصل مع المهندس رائف نجم)، ولا بأس في ذلك أيضا. ولكن لا تحسب نفسك تمثل الدين. فليس خطأ بالطبع أن تكون داعية وصاحب رسالة دينية، ولكن وظيفتك الأساسية هي تسهيل عمل المؤسسة في أداء دورها ورسالتها، والتي تخصص على أساسها أموال من الخزينة، منها رواتب الأئمة والدعاة.. ومكافآت الصحفيين!
ولذلك، فإن وظيفتك المفترض أن تتقاضى عليها أجرا متعلقة بالمؤسسة الحكومية وليس بالدين. ومن الجيد، بالطبع، أن تدافع عن الاسلام وترد على خصومه، لكن لا تخلط بين الإسلام وبين المؤسسات والوزارات. ويجب أن تكون متأكدا أن المسألة هي بالفعل صراع بين الإسلام وخصومه، أو هي جدل تنظيمي وسياسي حول دور الدولة ومؤسساتها، وكلها مسائل لم ترد في قرآن ولا حديث، وقد ظهرت هذه المكتبة الدينية والمؤسسات الهائلة على مدى التاريخ والجغرافيا من غير أن يكون للمسلمين وزارات للأوقاف ولا مناهج لـ"التربية الإسلامية" ولا كليات شريعة تنفق عليها السلطات. كل هذه المؤسسات أنشأتها الدولة الحديثة في سياسات تنظيمية وسلطوية لم يأمر بها الله ولا رسوله ولا صحابته، ولا وردت في مذهب. وكل تراث المسلمين الديني والفقهي والعلمي، لم يكن تابعا لسلطة سياسية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أخطاء هدفها التسلط (عبدالوهاب الرهونجي)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    لقد قرأت مقالك عدة مرات لتشابكه الفكري, وبقلمك عبرت عن كثير من تشابك أفكاري الدينية السياسية, ولقد كنت واضحا جدا في طرحها وأشكرك عليه كثيرا. أنا أعتقد أن الإستعمار هو ما آل إليه هذا التشابك ( أنا لا أرمي مشاكلنا على المستعمر ولكن نحن رضينا به ) والتسلط الديني أو السياسي هو جزء من الحكم الدكتاتوري كما جاء في التاريخ من حكم الفراعنة وتاريخ القرون الوسطى في أوروبا. ولا حل لنا من هذا التشابك إلا بمعرفتنا الحقيقية لديننا وكما قال الله تعالى " لكم دينكم ولي دين ". اشكرك وتحياتي أخ ابراهيم
  • »الناظم لأي دولة هو القانون؟ (يوسف صافي)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    من المتعارف عليه ان لكل دولة تشريعها ومايتمخض عنه من قوانين تتوائم على ماعليه الأمة من قيم وثقافة وعقيدة (خصوصية الأمة) فهناك القانون الأمريكي والفرنسي والبريطاني والإسلامي والخ من قوانين اممية اخرى؟؟امّا دراسة القوانين والعقيدة (الدين )فهذا متعارف عليه في معظم جامعات ودور التعليم في العالم لاوبل تدرس الديانات والتشريعات والتاريخ والفلسفة والعلوم ل الأمم الأخرى وعلى سبيل المثال تدرس الديانه الإسلامية وتشريعاتها وتاريخها وعلومها الأخرى في كبرى الجامعات الأمريكية وغيرها ولها اقسام متخصصة؟؟ وعلى كل حال نجم وغيره لاوبل كل الموظفين بمختلف درجاتهم يعملون وفق القانون النافذ وكما هومعروف القانون الأردني يستند الى التشريع الإسلامي والقانون الفرنسي والبريطاني كمواد وكمراجع تفسير في قانون العقوبات والأحوال الشخصية ؟؟؟ ولايعقل ان يدمج القضاء الشرعي مع باقي اقسام القضاء الأخرى حيث فيصله وغالبية تشريعه وفق الشريعة الإسلامية والقاضي الشرعي تخصص شريعة ودارس لكل مواد القانون الأخرى والعكس القضاة الآخرين كل وتخصصه كما الطبيب العام وطبيب التخصص ؟؟ امّا اسباب عدم وجود الوزارات بالإسم الذي ذكرت فكان بديلها مسميات اخرى ؟؟ ولاتنسى ان التشريع الإسلامي هو الناظم الوحيد في الدولة والخلافة الإسلامية؟؟ اخي غرايبة ارجو العودة لمواد الدستور الأردني وتفسيرها ؟؟ وهل يستطيع الإنسان ان ينزع جلده؟؟؟؟ ليلبس جلد غيره؟؟