انتهاء المرحلة الأولى من "الانتفاضة" فهل تبدأ الثانية؟

تم نشره في الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:02 صباحاً

لا يمكن القول بأنّ ما تشهده فلسطين حتى الآن، هو انتفاضة بالمعنى الحرفي والاصطلاحي. فالانتفاضة، كما قال أحدهم أو إحداهن (لا أذكر) في مؤتمر علمي، هي كأن تمسك قطعة قماش مبلولة تنفضها بقوة، فتتحرك كل ذرة في القطعة. وهكذا كانت انتفاضة العام 1987؛ بدأت شعبية كاملة، يشارك فيها كل شخص تقريباً. والفضل في ذلك كان، أولاً، للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، التي تشكلت من أربعة فصائل (فتح، والجبهتان الشعبية والديمقراطية، والحزب الشيوعي)، وحددت برامج عمل شهرية. وثانياً، تشكل حركة "حماس"، من دون إغفال دور "الجهاد الإسلامي". وحتى الآن، هناك شرائح واسعة من الفلسطينيين تدخل فعاليات شعبية، أو هي على تخومها.
البيئة الآن مهيأة بالكامل تقريباً لتحرك شعبي شامل.
كان يوم الاثنين الماضي يوما مُربكا إلى حد ما؛ إذ بدأ الإسرائيليون بتزييف عمليات طعن، وأفعال مقاومة. مثل ادعاء مستوطنين أن فتاة مدرسة في القدس تحمل سكينا لطعنهم، وأُطلق الرصاص عليها؛ أو حدوث جدل بين فتاة فلسطينية في حيفا مع سائق أجرة إسرائيلي، فاتهمها السائق بمهاجمته على خلفية وطنية، واحتجزت من قبل المستوطنين الإسرائيليين في حيفا وصُوّرت. وكذلك قصة الشاب الذي كان محتجزا لدى الشرطة الإسرائيلية ويكيلون له الإهانات، وعندما لم يعد يستطيع الصبر على الإهانات والتنكيل، هب يدافع عن نفسه، فأردوه برصاصات كثيرة. بدا الأمر، للوهلة الأولى، غريباً؛ فالإسرائيليون يستفزون ويقودون الأمر نحو المزيد من التصعيد، لكن الأمر في الواقع يمكن فهمه. فالإسرائيليون لديهم من العدائية والتطرف اليميني، في هذه المرحلة، ما يصور لهم أنّهم يجب أن يمارسوا أكبر قدر من العنف عندما يتمكنون من ذلك. وكل الحالات التي شهدناها يوم الاثنين الماضي تقريباً، كان محورها مهاجمة مجموعة إسرائيلية لفرد وحيد وحده، واصطناع قصة تبرر التنكيل به، من دون تجاهل عمليات المقاومة التي قام بها أفراد حقاً.
سرعان ما تشكلت آلية مواجهة فلسطينية، وصار الشباب يتحركون في جماعات، وليس فرادى، بطابع مدني شعبي؛ فيذهبون لمراكز الشرطة الإسرائيلية يحتجون على الاعتقال. وصار هناك درس أول: "كونوا جماعات". وخرجت مسيرات بالآلاف في الداخل الفلسطيني.
صرنا نرى مشاهد تذكّر بالانتفاضة الأولى العام 1987؛ عندما كانت النساء والمسنون يهبّون للوقوف بوجه الجنود لمنعهم من اعتقال شبان، أو إطلاق النار على أطفال. 
لقد تجاوز الوضع في فلسطين الآن المرحلة العفوية الأولى لأي تحرك شعبي مشابه. والآن، إمّا أن تنتقل الحركة الشعبية لمرحلتها الثانية، حيث يتطور حاليا نوع من قواعد العمل غير المكتوبة بالضرورة، وحيث تنشأ لجان وأنوية وقيادات ميدانية تحدد برامج عمل، منها ما هو موقعي ومنها ما هو شامل جامع؛ أو أن يتم فقدان الزخم الشعبي.
سيكون السؤال: هل تتبلور قواعد العمل ويتم تمثلها؛ وهل تنشأ برمجة العمل الميداني، ثم يتناغم معها الأداء السياسي؟
لا توجد قوة في العالم، مهما كانت، تستطيع أن تعترض علناً على انتفاضة شعبية شاملة، يعبر الشعب فيها عن مطالبه بحقوقه. وعدم القيام بهذه الانتفاضة الآن، هو هدر للطاقة الشعبية، وترك للأمور لتفلت في اتجاهات مجهولة.
هناك واقع موضوعي، مثل تقسيم الأراضي الفلسطيني؛ (أ) و(ب) و(ج)، حيث الجيش الإسرائيلي يدخل مناطق "ب" و"ج" متى شاء فقط، ما يمنع انتفاضة بالشكل القديم. لكن تطوير آليات الاحتجاج الجماهيري، ومقاطعة البضائع، والإضرابات الهادفة المدروسة التي تمس بالاقتصاد الإسرائيلي، كلها أمور ممكنة. وهناك ما يكفي من الكوادر ذات التجربة والخبرة، ومعها طاقات شبابية كبيرة، قادرة على تحديد إيقاع الحركة الشعبية، وتقديم الصورة التي تريدها للانتفاض، وأن تحدد هي وسائل العمل، لا ما يريده الإسرائيليون.
يمكن للحركة الشعبية أن تكون شاملة؛ تضم كل مفاصل ومكونات الشارع الفلسطيني، وأن تنشأ سريعاً وتتجدد حركات التضامن العربية والدولية. هناك فرصة سانحة، لا يجدر تضييعها. ووظيفة القيادة السياسية المبادرة والنطق باسم الشعب وحركته، وتقدم صفوفه.

التعليق