عيسى الشعيبي

المنتفضات الجميلات سيدات الأرض

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:03 صباحاً

قد يكون أكثر بيتين شعريين يفيضان رقة وبلاغة، في معلقة عنترة بن شداد الشهيرة، هما البيتان اللذان استعاد فيهما قسمات وجه ابنة عمه عبلة، في لحظة نزال محتشدة بصليل السيوف المتطاحنة، خلال إحدى المعارك بين عبس وذبيان، حين قال:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
                       وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
                       لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وأحسب أن هذه الصورة الشعرية الباذخة قد داعبت، على هذا النحو أو ذاك، خواطر كثيرين ممن شاهدوا الشابّات اليافعات، في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية، وهن يقذفن الحجارة، ويمتشقن السكاكين، ويشتبكن من ثم بجرأة منقطعة النظير مع جنود الاحتلال والمستوطنين. كما أحسب أيضاً أن بيننا من خالجته رغبة عنترة تلك، بتقبيل تلك السكاكين القاطعة.
إذا كان صحيحاً أن هبة السكاكين كانت فعل إرادة فتيان بواسل، فاض بهم الكيل، وأعياهم الصبر الطويل على الصبر، فإن من الصحيح أيضا أن هذه الهبّة هي فعل أيدي فتيات ماجدات بحق، تصدر بعضهن الصفوف، وشارك بعضهن الآخر في الفاعليات الاحتجاجية، الأمر الذي يمكن معه اعتبار مثل هذا الإعجاز الكفاحي النادر في تاريخ حركات التحرر الوطني، ماركة نضالية مسجلة، ربما لأول مرة، باسم "جندرين" متكافئين من طينة واحدة، عبرا معاً جدار المستحيل، وحققا سوية، كتفاً إلى كتف، هذه الملحمة التي تجل عن كل وصف.
ومع أن حضور المرأة الفلسطينية كان بارزاً في مختلف مراحل الثورة والمقاومة الشعبية، بما في ذلك الانتفاضتان الأولى والثانية، إلا أن حضورها الفاتن في هبّة السكاكين هذه، تجاوز حدود الرمزية، وفاق تلك المشاركات الاستثنائية الملهمة، إلى الحد الذي يمكن معه لعين الكاتب والمشاهد والمؤرخ، أن ترى بوضوح شديد، دور النساء المنتفضات اللافت، كعنصر متعادل بجدارة مع عنفوان الرجال، سواء بسواء، في هذه الهبّة المثيرة لأفضل الانطباعات وأكرمها عن المرأة على الإطلاق.
من غير مجاملات لا حاجة لها أصلا، وجدت أن من بين أبلغ المساهمات التي لامست شغاف قلبي، وكادت تسقط دمعة من عيني، عن مشاركة المرأة الفلسطينية في هذه الهبّة، ما كتبته الزميلة جمانة غنيمات بعنوان "المقاومات هن الجميلات"؛ عن الأم التي أوصت ابنها، وجنود الاحتلال يسحبونه بفظاظة من بين يديها: "خليك زلمة يمّا.. ولا يهمك يا أحمد"، إذ وصفت سيدات فلسطين، بأنهن سيدات العالم، وهن يقدمن، بتجلد الأمهات الفاضلات، أغلى ثمن تقدمه سيدة على وجه الأرض، في أي زمان وفي أي مكان على الإطلاق.
على المقلب الآخر، حفل تقرير إخباري نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية قبل أيام قليلة، ببغض يعكس قلق إسرائيل ويثيرها، خصوصا صور الشابات الفلسطينيات التي أخذت تنتشر عبر الشبكات الاجتماعية في أرجاء العالم، وهن يتقدمن الصفوف في مناطق المواجهات، ويرفعن في الهواء كفوف أيد بأظافر مطلية، قائلة: "إننا نرى الآن أكثر مما رأينا في الانتفاضتين السابقتين، عيون نساء تطلق نظرات حادة من خلف الكوفيات، ونشاهد مزيداً من المتظاهرات، يرتدين القمصان وبناطيل الجينز، يندفعن إلى الأمام بحمية وطنية وقومية".
وفي تفاصيل ذلك التقرير المكتوب بعين إسرائيلية متوجسة، كان الحديث يدور عن شابات لا ينتمين إلى تنظيمات أصولية، معظمهن عزباوات وطالبات من جامعتي القدس وبيرزيت، ذوات وعي سياسي عالٍ. وإن هذا الملمح الجديد بات السمة المشتركة للواتي يشاركن بكثافة في هذه الموجة الثورية، مثل شروق دويات، وإسراء زيدان، وداليا نصار، وغيرهن من أيقونات الانتفاضة صاحبات القامات الممشوقة، والأصوات القوية، اللواتي يقدن الهتافات حينا، ويشاركن في الجنازات في بعض الأحيان، يوحدهن الغضب وروح التحدي على أي حال.
ذات يوم أشرق قبل نحو ربع قرن مضى، خاطب نزار قباني في إحدى قصائده، أطفال ثورة الحجارة بإعجاب شديد، قائلا: "علمونا كيف نصنع الجنرالات". وكم وددت اليوم لو أن العمر طال بشاعر المرأة الأكبر، ليرى الشابات الفلسطينيات وهن يكتبن هذا الفصل المجيد من ملحمة المقاومة المتجددة. فماذا عسى نزار أن يقول أمام هذا المشهد، أبلغ من مخاطبتهن: أيتها المقاومات الجميلات، يا سيدات الأرض، ليتنا معكن في هذا المخاض، لنقبل السكاكين المشرعة بين أيديكن على الأقل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المبدع دائماً (مازن صالح)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    انت مبدع دائماً خاصة في توجيه قلمك نحو الأوجاع والتقدير والبناء الثقافي كل التقدير والاحترام استاذ عيسى