كراهية حقيقية

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • جنود إسرائيليون يعتقلون فلسطينيا في القدس المحتلة أمس - (ا ف ب)

يديعوت أحرونوت

ناحوم برنياع  23/10/2015

ما يخيف الإسرائيليين ليس بالضرورة يخيف الأميركيين. بما في ذلك أولئك الذين بحكم رزقهم يتابعون عن كثب مشاكل الشرق الأوسط. فأمام صور القتل في سورية، في العراق، في تركيا وفي أفغانستان تتقزم الصور من إسرائيل.
الرعب، الغضب، التعابير الحماسية، السكاكين الفلسطينية، المسدس الإسرائيلي، تشويش الحياة، فقدان السيطرة، كل ما يقض مضاجعنا هذه الأيام، لا يقول الكثير للأجانب. فموجات العمليات المسلحة في الماضي أثارت الهزة لأنها هددت بهدم مسيرة استثمرت فيها الإدارات الأميركية أفضل قواها. اما في الوضع الحالي فليس ثمة ما يهدم، ليس ثمة ما يعزز، ليس ثمة ما ينقذ.
انتفاضات تخبو، موجات عنف تنسى؛ هذا ما علمتنا اياه تجربة الماضي. فتواتر العمليات وانتشارها عسير على الهضم، ولكن مثلما في كل روتين، كلما تواصلت الأحداث، تقل الصدمة، وكلما قلت الصدمة، هبط الدافع لمواصلة الإصابة. هذا هو السيناريو الإيجابي الوحيد الذي يمكن تصوره.
السؤال الكبير هو في أي وضع سنكون عندما ستخبو الموجة، ما الذي ستحدثه للمجتمع الإسرائيلي، لحصانته الداخلية، للقيم الأخلاقية، لمكانته في العالم، ما الذي ستحدثه للفلسطينيين. في هذه الأثناء فإنها تخرج من الطرفين أسوأ ما لديهما.
عندما يقتل الفلسطينيون والإسرائيليون، الزبونان اللذان يعتمدان على طاولة الولايات المتحدة، الواحد الآخر، يفترض بالإدارة أن تفعل شيئا ما. هذا ما هو متوقع منها، هذا ما درجت على عمله في الماضي. ليس هكذا الآن. سمعت هنا من أكثر من شخص واحد التقدير العسير التالي: "ينبغي أن يكون الحال أسوأ بكثير كي يكون أفضل لاحقا".
المسؤول الكبير الوحيد في الإدارة الأميركية الذي ما يزال يؤمن بأنه يمكن الوصول إلى اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو وزير الخارجية جون كيري. لكيري حلم، وهو لن يدع الواقع يخربه. عشية لقائه بنتنياهو، في برلين، دعا إلى استئناف المفاوضات الآن، بل وعلل: زمن إدارة اوباما محدود، والوقت يلح.
الوقت يلح لكيري ولكنه لا يلح لأوباما. فإحدى القواعد الحديدية في الإدارات الأميركية تقول إن كل قوة وزير الخارجية تكمن في أن الرئيس يقف خلفه. فبلا دعم الرئيس فإنه شمشون بلا قوة، وبوباي بلا سبانخ. ولكن في كل ما يتعلق في هذه اللحظة بنزاعنا، كيري في جهة، وأوباما في جهة أخرى.
أوباما مقتنع بأنه طالما كان نتنياهو على رأس حكومة إسرائيل، فلن يكون أي تقدم إيجابي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. خسارة على الوقت. ووافق على السماح لكيري بالسفر إلى برلين وعمان فقط لأن انعدام العمل كان سيجر انتقادا. والمهمة التي أخذها كيري على عاتقه كانت العمل على نشر تصريح يكون مقبولا من نتنياهو، أبو مازن والأردن. وسيتضمن التصريح التزاما بالحفاظ على الوضع الراهن في الحرم.
ما إن انطلق كيري على الدرب، حتى أصبح التصريح غير ذي صلة. وحتى لو تحقق، فإنه لن يعيد أي سكين إلى المطبخ. فهل يمكن للضغط الأميركي أن يلطف التحريض، سألت أحد موظفي الإدارة. ذكرت في هذا السياق التصريحات الأخيرة لأبو مازن. فأجاب: البشرى الطيبة هي أن أحدا لم يعد يستمع إلى أبو مازن". أنت مخطئ، قلت. نتنياهو يستمع إليه. هو الوحيد الذي يستمع ويقتبس كل كلمة.
التحريض هو بالفعل سلاح فتاك. فهو يسمم النفوس منذ عهد المفتي الحاج أمين الحسيني وحتى اليوم. ولكنه ليس وحده: من حرض ناخبيه على التوجه إلى صناديق الاقتراع بسبب باصات فلسطينيي 48 التي لم تكن، لا يمكنه أن يدعي التفوق الأخلاقي على ابو مازن. هذا يحرض وذاك يحرض. وكلاهما فقدا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، بين الإعلام والتحريض. واحد ينفي الإرهاب. والآخر يشوه الكارثة. والبشرى السيئة هي أنه خلافا للفلسطينيين، الذين كفوا منذ زمن بعيد عن الاستماع إلى ابو مازن، فإن إسرائيليين غير قليلين يستمعون إلى نتنياهو، ليبرمان، بينيت، لفين، بركات. وهم يقنعون أنفسهم بأنهم مثل جيمس بوند. الحكومة أعطتهم رخصة للقتل.
إذن ما الذي مع ذلك يمكن عمله؟ في المداولات الداخلية في الإدارة الأميركية طرحت أفكار مختلفة، وكلها استبعدت تماما. مبادرة من الرئيس الآن ستعود إليه كالسهم المرتد: الرد الوحيد سيكون عمليات اخرى وشماتة لدى خصومه الجمهوريين. الرئيس يمكنه أن يلقي خطابا يرسم فيه رؤياه للمستقبل. مسودة مثل هذا الخطاب موضوعة لدى كيري منذ فشل مبادرته.
يوم الخطاب سيأتي، على لسان كيري أو لسان أوباما. وهما لن يحزما الحقائب قبل أن يقولا كلمتهما. ولكن ليس عندما تلاحق العملية العملية الأخرى. في الوضع الحالي ليس لرئيس، فما بالك لوزير خارجته، إلى أين يوصلان صوتهما؟
مسألة واحدة يمكن لنتنياهو أن يسجل لنفسه فيها نجاحا. الكفاح العنيد الذي أداره في الكونغرس ضد الاتفاق مع إيران أجبر أوباما على ان يتعهد للسناتورات الديمقراطيين بمنح إسرائيل رزمة تعويض أكبر بكثير، أكثر سخاء مما قصد منحها إياه في البداية.
كان الثمن باهظا: شرخ عميق داخل قيادة الجالية اليهودية، ابتعاد قسم كبير من الديمقراطيين في المجلسين عن إسرائيل والمس بقوة ومكانة ايباك، اللوبي المؤيد لإسرائيل. ومع ذلك، فلا يمكن تجاهل المردود.
لقد تعهد نتنياهو أمام الادارة بأن يشطب الموضوع الايراني عن جدول الاعمال. وكان الخطاب في الجمعية العمومية للامم المتحدة آخر العزف. وقد أوفى بتعهده. عشية اقرار الاتفاق هدد الجمهوريون باقرار عقوبات جديدة ضد إيران. ولكن التهديدات لم تتحقق. فالجمهوريون منشغلون إلى ما فوق رؤوسهم بالنزاعات الداخلية، والايرانيون ينفذون حاليا بطاعة كل بنود الاتفاق.
التصريحات البائسة التي أطلقها نتنياهو في موضوع مسؤولية مفتي القدس عن الكارثة أدت هنا، في واشنطن إلى رفع حاجب بابتسامة، من النوع الذي يحصل عندما يفشل سياسي ما بزلة لسان محرجة أو تلتقط له صورة بينما الناظور مسدود. يخيل لي ان في هذه الحالة يمكن البحث عن الاسباب في مستوى أعمق. فالميل لتحميل العرب أو الاسلام الذنب في كل خطايا اوروبا ليس غريبا عن اليمين المتطرف الاوروبي. هذه لاسامية بلباس آخر: فهي تستبدل ذنب اليهود الساميين بذنب العرب الساميين. كم هو بسيط. كم هو مريح. كم هو كاذب.
نعم، الشارع الفلسطيني يكره الإسرائيليين. مأساة مسيرة اوسلو هي أنه بدلا من تبديد الكراهية، فاقمتها فقط. نعم، الفلسطينيون يرون في اليهود جهة غريبة، استعمارية، في الشرق الأوسط، جهة مصيرها الاختفاء. هذا صحيح للاولاد في المدارس وصحيح للمندوبين الفلسطينيين إلى المفاوضات. جلست ذات مرة في حديث مع اولاد في مدرسة في شرق القدس. كان الموضوع هو السلام. "أنا أصلي للسلام"، قال ولد لطيف، ذكي. "كل يهودي جاء إلى البلاد بعد 1920 يغادر، وعندها نصنع ببهجة السلام مع الجميع".
الكراهية لإسرائيل حقيقية. نحن نعود ونكتشف بين الحين والاخر بان الكراهية لإسرائيل أقوى من التطلع إلى الحياة الطبيعية، اقوى حتى من التطلع إلى الاستقلال. ولكن المشاعر في جهة وحسابات الضرر في جهة أخرى. العرب اسوأ من الألمان، كتبت ذات مرة، فنانة بارزة في اليمين الإسرائيلي. لقد نسيت أن عدد كل الإسرائيليين الذين سقطوا ضحايا في كل سنوات الدولة لا يصل إلى إنتاج ساعة عمل في محارق اوشفتس.
نتنياهو حصل في الانتخابات الأخيرة على 30 مقعدا. وكان الإنجاز مثيرا. ولكنه فقد أيضا شيئا ما – الكوابح التي ساعدته لأن يضع سدا أمامه. لقد حصل له هذا في الأشهر التي سبقت اغتيال رابين ويحصل له مرة أخرى في الأشهر الاخيرة. بلاغته أقوى منه. كراهياته، مخاوفه، حساباته الشخصية والسياسية تفوق المسؤولية الوطنية، تفوق الحقيقة أيضا.

التعليق