الدين والقومية

تم نشره في الأحد 25 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً

يديعوت أحرونوت

سيفر بلوتسكر

البروفيسور مايكل فلتسر، الفيلسوف الأميركي اليهودي الذي استخدم لأول مرة تعبير "الحرب العادلة" بالنسبة لحرب الأيام الستة، نشر مؤخرا كتابا جديدا ("مفارقة التحرير: ثورات علمانية وثورات مضادة دينية") وموضوعه العلاقات بين حركات التحرر الوطني والحركات الدينية. ويكتب فلتسر ويقول إن "التحرك الوطني هو فعل من العلمانية، الحداثة والتنمية".
وهو يعرض على المضطهدين بداية جديدة، ثقافة جديدة، سياسة جديدة، اقتصادا جديدا؛ غايته خلق الانسان الوطني الجديد. غير أن القديم قوي جدا ومتجذر جدا في الجماهير، ولهذا فسرعان ما يرتدي التحرر الوطني الصورة المعاكسة – المحافظة الدينية.
لقد كان قادة الكفاح لتحرير الجزائر يساريين متطرفين، رغم أن الجزائر المحررة تبنت بعد زمن ما مبادئ عديدة للإسلام. وآجلا أم عاجلا، يكتب فلتسر فيقول إن التحرر الوطني يخلي المكان لـ"أنماط حياة تقليدية تبقت في المقدسات، في الكنائس، في المساجد وفي الكنس".
ويعود الدين إلى النسيج الاجتماعي بقوة في شكل "كفاحي، فكري وسياسي". ويأتي البروفيسور فلتسر في كتابه بثلاثة نماذج عن ذلك: حركة التحرر الهندية،
 الـFLN الجزائرية والصهيونية، ولكن ثمة، برأيه، حركات كثيرة إضافية اخرى. كما أن اقامة دولة قومية فلسطينية وترسيم حدودها المتفق عليها مع اسرائيل والاردن، ستكون فعلا علمانيا صرفا، مثلما كانت اقامة الدول القومية الاخرى، بما في ذلك الدولة القومية للشعب اليهودي. عليه، كلما مر الوقت، يبدو هذا الفعل شبه متعذر.
أولا، بسبب الاستيطان اليهودي – الديني المكثف في مناطق الضفة الغربية، ولكن ليس فقط. فالدول القومية العربية تتفكك الآن الى شظايا: الحروب الدينية تفككها. الربيع العربي القومي – الديمقراطي اختطف بداية من قبل حركة "الإخوان المسلمين" واليوم من قبل داعش الأكثر تطرفا منها. فليست الأعلام الوطنية هي التي تهيج اليوم خيال مئات ملايين الشباب من المغرب حتى افغانستان – مثلما كان الحال في السنوات العظمى لحركات التحرر الوطني – بل اعلام الاسلام، الخضراء والسوداء.
عندما يتمترس النزاع القومي كمواجهة دينية، فإن احتمال تسويته ينخفض الى الصفر. وبالتالي ثمة للكثيرين مصلحة في تركيز الخلافات بيننا وبين الفلسطينيين في المجال في القدس المسمى "جبل البيت" أو "المسجد الأقصى" او "الحوض المقدس" أو أي اسم ديني – تقليدي آخر. وهذا التركيز يعرف المواجهة بين الحركتين الوطنيتين على حدود التقسيم الى مواجهة بين الشيوخ على ادارة مكان مقدس لدينهم.
إن الأماكن التي تعتبر مقدسة للأديان المختلفة، وحتى للاجنحة المختلفة في ذات الدين، كانت دوما مصدرا لصراعات طويلة، عنيفة، مضرجة بالدماء. هكذا على طول التاريخ البشري وعرض الجغرافيا البشرية.
ان التسوية الحالية في الحرم، مركبة وحساسة، معقدة ومتعددة السيادات، أوجدها اناس مسؤولون، يهود وعرب، ارادوا ابقاء المكان خارج الخلاف القومي الاسرائيلي – الفلسطيني وعدم ايقافه في مركزه. وهي الافضل التي يمكن تصورها عقليا ودينيا. اما من يبذلون الآن جهدا لتغييرها، فمعنيون بتحويل النزاع القومي الى حرب دينية – وبالتالي تخليده؛ فهم يعرفون أنه لا يوجد "حل" للادعاءات المتضاربة بالأرض المقدسة، لا في القدس ولا في أي مكان آخر. توجد فقط حماسة دينية متزمتة.
لقد اعتقد قادة حركة التحرر الوطني، كما يجمل البروفيسور فلتسر محاضراته التي وضعها في الكتاب المقتبس، أن بوسعهم أن يطردوا تماما من الأمة المحررة والمتجددة شيطان (على حد تعبيرهم) الدينية التقليدية. وفي ذلك فشلوا؛ فالدينية تعود، والآن هم ملزمون "للحوار معها لاخذ قيمها بالحسبان للبناء معها قاعدة مشتركة ومتوازنة لحياة قومية وتجنيدها للكفاح ضد التزمت المعربد".
وذلك لانه اذا لم يكبح جماحها قبل الاوان، بمعنى فورا، فانها ستجرف الى الخارج الحكومات والقيادات القومية. كل المشروع القومي سينهار. ليس فقط مشروعهم، بل ومشروعنا ايضا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاعدل (البوصيري)

    الثلاثاء 27 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    لماذا يحق لفئة استعمال الدين لتحقيق مآرب عالية القيمة وفضة أحيانا، بينما يحرم على الآخرين حتى الحديث بشكل عاطفي عن الدين فكيف بتحرير أرضهم، ألم يستعمل كيان الاحتلال الدين لشرعنة احتلاله لأرض الآخرين أي عالم بغيض هذا وأي عقول يملكها الذين ملأوا الدنيا ضجيجا ...