تفكك أوروبا.. الاحتمالات والنتائج

تم نشره في الاثنين 26 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • عصفوران على السياج الذي أقامته المجر حديثاً لمنع دخول اللاجئين أراضيها - (أرشيفية)

فيليبي ليغرين*

لندن- إذا كنا نحتاج إلى أي إشارة واضحة إلى أن الاتحاد الأوروبي يتهاوى بمعدل ينذر بالخطر، فسوف نجدها في إقامة المجر لأسوار من الأسلاك الشائكة على طول الحدود مع جارتها في الاتحاد الأوروبي، كرواتيا. وقد تسببت الأزمة في منطقة اليورو في تفتيت التدفقات المالية بطبيعة الحال، الأمر الذي أدى إلى تباعد الاقتصادات، وتآكل الدعم السياسي لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتأليب الأوروبيين على بعضهم بعضا. والآن، مع إقامة الحكومات للحواجز وإعادة فرض الضوابط على الحدود، تعمل أزمة اللاجئين على تعطيل تدفق البشر وتشويش التجارة. ومع تفكك الاتحاد الأوروبي، يتزايد خطر ارتفاع تصويت البريطانيين على الخروج منه.
كثيراً ما يُقال إن الاتحاد الأوروبي يتقدم من خلال الأزمات، لأنها تساعد في تركيز العقول على الحاجة الملحة إلى المزيد من التكامل. ولكن مثل هذه الاختراقات تتطلب توفر أربعة مكونات على الأقل: الفهم الصحيح المشترك للمشكلة؛ والاتفاق على وسيلة فعّالة للمضي قدماً إلى الأمام؛ والاستعداد لتجميع المزيد من السيادة؛ والزعماء السياسيين القادرين على دفع عجلة التغيير إلى الأمام. والآن، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى هذه المكونات الأربعة جميعاً.
الزعماء الأوروبيون ضعفاء ومنقسمون، وغير قادرين كما يبدو على وضع رؤية ذات مصداقية للفوائد التي قد يوفرها التكامل الأوروبي في المستقبل، والتي من دونها لا يستطيعون حشد الدعم الشعبي وإقناع الحكومات المترددة بتحمل نصيبها العادل من التكاليف الحالية. وفي غياب استجابة فعّالة ومشتركة، تتفاقم أزمات أوروبا، وتتغذى على بعضها بعضا، وتحرض على المزيد من النزعة الأحادية.
تتقاسم أزمة منطقة اليورو وأزمة اللاجئين في سمات مشتركة مستعصية على الحل. وكل منهما تنطوي على خلافات حول تقاسم التكاليف، وتزداد تعقيداً بفعل تصادم القيم، والذي تكمن في صميمه ألمانيا المهيمنة حديثا.
والاتحاد الأوروبي غير مؤهل على الإطلاق لتقاسم الأعباء. فبدلاً من الاتفاق على تقسيم عادل للتكاليف، سواء المترتبة على الأزمة المالية أو الترحيب باللاجئين، تسعى الحكومات إلى الحد من التزاماتها وتحويلها إلى آخرين، وبالتالي زيادة التكاليف الجماعية. كما تضخمت الأزمة المصرفية التي كان من الممكن حلها من خلال إعادة الهيكلة العادلة والحاسمة للديون غير المستدامة، حتى تحولت إلى أزمة اقتصادية وسياسية أعظم كثيراً، والتي تعمل على تأليب الدائنين ضد المدينين، سواء داخل أو بين البلدان.
وعلى نحو مماثل، أثبتت قواعد الاتحاد الأوروبي التي تنص على حصول اللاجئين على حق اللجوء في أول دولة يصلون إليها كونها غير قابلة للتطبيق وغير عادلة؛ فلأن أغلب طالبي اللجوء يصلون إلى جنوب أوروبا ويريدون التوجه إلى الشمال، تتجاهل اليونان وإيطاليا هذه القواعد وتقوم بتسهيل مرورهم. وتحاول بلدان العبور مثل المجر الدفع باللاجئين إلى أماكن أخرى. وبالتالي، فإن إعادة توطين ما يقرب من 750 ألف شخص طلبوا اللجوء في الاتحاد الأوروبي هذا العام -وهو رقم لا يشكل سوى 0.14 % من سكان الاتحاد الأوروبي- تحولت إلى أزمة وجودية.
ويتمثل جزء من المشكلة في عملية صنع القرار المبهمة. إذ يركز زعماء الاتحاد الأوروبي بشكل ضيق على الحد من التكاليف المالية والسياسية قصيرة الأمد، بدلاً من التفكير استراتيجياً حول العواقب الأوسع نطاقاً والأطول أمداً.
إن إعادة هيكلة الديون اليونانية في العام 2010 كانت لتعني ضمناً ضربة مالية موجهة إلى البنوك الفرنسية والألمانية (والحكومات التي وقفت من ورائها)، ولكنها خسارة أصغر كثيراً من تلك التي تنطوي عليها التكاليف المتزايدة المترتبة على استمرار الأزمة. وعلى نحو مماثل، وفي حين يتطلب الترحيب باللاجئين استثماراً أولياً من الأموال العامة، فإنه قد يؤتي ثماره بمجرد أن يبدأ القادمون الجدد بالالتحاق بسوق العمل. والواقع أن هذه القارة التي تمكن المشيب منها تحتاج إلى عمال شباب نشطين للقيام بالأعمال التي يزدريها السكان المحليون (أو التي يفتقرون إلى المهارات اللازمة لأدائها)، ورعاية المسنين، وإطلاق المشاريع التجارية، وملاحقة أفكار جديدة تعمل على تعزيز النمو الاقتصادي.
كما يتسبب صراع القيم في عرقلة التسوية. إذ يصر الألمان على أن المدينين لديهم التزام أخلاقي بسداد الديون المستحقة عليهم والتكفير عن إسرافهم. ورئيس الوزراء السلوفاكي الذي يرفض اللاجئين على أساس أن "سلوفاكيا بنيت للسلوفاكيين وليس الأقليات" يصعب أن يشترى بالمال. وحتى على الرغم من أن خطة الاتحاد الأوروبي لإعادة توطين اللاجئين من شأنها أن تزيل القادمين الجدد غير المرغوبين من المجر، يعترض فيكتور أوربان، زعيم البلاد المستبد القومي على هذه الخطة من حيث المبدأ، متهماً ألمانيا بالإمبريالية الأخلاقية عندما تحاول فرض موقفها السخي في التعامل مع اللاجئين على جيرانها.
حتى وقت قريب، كان صناع السياسات الألمان يسعون إلى التكفير عن ماضي البلاد النازي من خلال محاولة جعل ألمانيا كياناً أكثر أوروبية وميلاً إلى الاتحاد الأوروبي، وبالتالي المساعدة في تلطيف العديد من النزاعات. ولكن، في ظل موقف ألمانيا باعتبارها كبيرة الدائنين، والذي يضعها إلى مقعد السائق، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تسعى الآن إلى خلق أوروبا أكثر ألمانية.
وترفض ألمانيا الإقرار بأن سياسة إفقار الجار الاقتصادية التي تنتهجها -والتي انعكست في فوائض الحساب الجاري الضخمة لديها- كانت سبباً في أزمة منطقة اليورو وعائقاً رئيسياً يحول دون التوصل إلى حل للأزمة. بل إنها بدلاً من ذلك تحاول إرغام الآخرين على السير على خطاها، وتعتبر -مخطئة- أن مصالحها الضيقة بوصفها دولة دائنة هي ذاتها مصلحة النظام ككل.
لقد لعبت ميركل دوراً أكثر إيجابية في أزمة اللاجئين. فقد علقت ألمانيا من جانب واحد تطبيق قواعد اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لقبول جميع اللاجئين السوريين الذين يصلون إلى أراضيها. ولكن فشل ميركل في توفير المرور الآمن لأولئك اللاجئين كان سبباً في تفاقم الفوضى، وكانت إعادة فرض الضوابط على الحدود في وقت لاحق داخل منطقة شنغن التي يفترض أن تكون خالية من الحدود، بمثابة سابقة بالغة الخطورة وتشجع جيران ألمانيا على القيام بالمثل.
ومن ناحية أخرى، ومع النظر إلى الاتحاد الأوروبي على نحو متزايد باعتباره مصدراً للأزمة الاقتصادية، والاضطرابات السياسية، والمهاجرين غير المرغوبين، يتفاقم الخطر المتمثل في احتمال تصويت البريطانيين لصالح الخروج في الاستفتاء قبل نهاية العام 2017. فقد أصبحت بريطانيا شبه منفصلة بالفعل -خارج نظام شنغن وخارج اليورو والعديد من الشؤون الداخلية (بما في ذلك سياسة اللجوء). ومع سعي الحكومة الآن إلى التفاوض حتى على شروط العضوية الأكثر مرونة، فسوف ينتهي الحال ببريطانيا إلى المزيد من التباعد عن الاتحاد الأوروبي، حتى ولو احتفظت بعضويته.
تتسم استطلاعات الرأي بالتوازن الدقيق ولا يمكن التكهن بنتائج الاستفتاءات. وفي وقت يتسم بالغضب المناهض للمؤسسة والاضطرابات السياسية، يصبح بوسع النشطاء المناهضين للاتحاد الأوروبي الترويج لثلاثة أوهام حول مستقبل ما بعد الاتحاد الأوروبي: يوتوبيا السوق الحرة، أو اليوتوبيا الخالية من الأجانب، أو اليوتوبيا الاشتراكية. وعلى النقيض من هذا، يتعين على المعسكر المؤيد للاتحاد الأوروبي أن يروج لواقع الاتحاد الأوروبي على حاله، وبدون رتوش.
حتى وقت قريب، بدا التكامل الأوروبي أمراً حتمياً. ولعل الأمر كذلك حتى الآن، ولكنه لن يذهب في الاتجاه المعاكس أبداً. فقد التحقت البلدان بعضويته؛ ولم تتركه. ولكن، مع تداعي الاتحاد الأوروبي بالفعل، فإن خروج بريطانيا ربما يقلب هذه الديناميكية رأساً على عقب. وهو سبب أقوى لإصلاح الاتحاد الأوروبي قبل أن يفوت الأوان.

*مستشار اقتصادي سابق لرئيس المفوضية الأوروبية، وزميل رفيع زائرة في المعهد الأوروبي لمدرسة لندن في الاقتصاد ومؤلف كتاب: "الربيع الأوروبي: لماذا الاقتصادات والسياسات في حالة فوضى -وكيف يمكن تصويبها؟".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت.

التعليق