العنف، والأزمة والمأساة في الدعاية الإسرائيلية

تم نشره في الأربعاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً
  • نتنياهو يعرض قضيته عن "العنف الفلسطيني" في الأمم المتحدة - (أرشيفية)

يواف ليتفين - (كاونتربنتش) 22/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يشهد العالم في الأسابيع الأخيرة جولة أخرى من العنف في إسرائيل-فلسطين. ومع أننا معتادون على مشاهدة السيناريو المأساوي والعنيف نفسه وهو يكرر نفسه، فإنه يبدو مختلفاً هذه المرة. فالموجة الحالية من المقاومة تأتي من ناشطين فلسطينيين من الجيل الجديد، من الذين ليسوا تابعين لأي تنظيم أو فصيل معين. وتتضمن الاحتجاجات مظاهرات عنيفة وأخرى غير عنيفة، بالإضافة إلى شن هجمات على مدنيين إسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي داخل إسرائيل على حد سواء.
هذه الطبيعة غير المنظمة والمتقطعة أخذت إسرائيل على حين غرة. فحيث اعتادت الحكومة الإسرائيلية الرد من خلال حشد جيشها ومنافذها الدعائية ضد الأهداف الفلسطينية المعرَّفة مسبقاً مثل حماس، فإنها تفتقر حالياً إلى إمكانية تحميل أحدٍ ما المسؤولية المباشرة. ونظراً لذلك، عمدت إسرائيل الى تطبيق العقاب الجماعي ضد المجتمع الفلسطيني، وإلى استخدام الخطاب التحريضي المعادي للفلسطينيين. وقد ولد هذا الخطاب الأخيرة بيئة جعلت العنف المدني والتوجس يتصاعدان في إسرائيل.
بالنسبة لإسرائيل، يعد العنف في أشكاله المختلفة ضرورياً للحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة وتوسيعه، ومن أجل الهيمنة وفرض القيود التمييزية التي تمارس على الفلسطينيين الذين يعيشون كمواطنين في حدود ما قبل العام 1967. ولهذه الغاية، تطبق الحكومة الإسرائيلية سياسات لها هدفان: أولاً: الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ وثانياً تقسيم المجتمع الفلسطيني. وتستهدف هذه السياسات احتواء الفلسطينيين في داخل الأراضي المعرفة مسبقاً من جهة، بينما يتم حرمانهم من المقدرة على التجمع والتنظيم، وبالتالي يتم على نحو فعال رفع وتيرة الاحتجاجات من جهة أخرى.
لقد روجت إسرائيل لكل واحد من هذه الأهداف بشكل فردي وبشكل مشترك أيضاً: فإنشاء جدار الفصل يخلق بفعالية حاجزاً بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، لكنه يقسم القرى الفلسطينية أيضاً ويعزل المزارعين عن أراضيهم. ولغاية تنفيذ هذه السياسات، فإن قوة جيش الدفاع الإسرائيلي والفروع الأخرى من قوات الأمن في إسرائيل تستخدم تكتيكات عنيفة، بما فيها فرض حظر التجول وهدم المنازل، وإقامة نقاط التفتيش وشن الغارات الليلية والاعتقالات، غالباً بدون توجيه تهم، وغير ذلك من مظاهر العنف الروتيني والعشوائي في الغالب.
ولأن من الصعب أن يشعر الناس بالتعاطف، ثمة حاجة لأن يتم تبرير العنف والتمييز من الناحية الأخلاقية. ولهذه الغاية تركز الدعاية الإسرائيلية على نقطتين رئيسيتين: 1 - تاريخياً، ربط الأراضي المتنافس عليها بالإرث اليهودي.
و2 - شيطنة الفلسطينيين وقادتهم وتشويه صورتهم. وبينما تحاول النقطة الأولى عرض "حق يهودي متأصل في الأرض"، فإن النقطة الثانية تخدم لزرع الخوف وعدم الثقة بين الفلسطينيين وهكذا تخليص الإسرائيليين من أي مسؤولية عن جرائمهم الخاصة، وعن تلك الجرائم التي ترتكب باسمهم.
على نحو قابل للتنبؤ به تماماً، ولأن الموجة الراهنة من المقاومة لا تمثل الدعاية بهدف واضح، فإنها تصنع أزمة. ولأنهم لا يعترفون ولا يبالون بشأن عنصريتهم الكامنة، ما يزال المسؤولون الإسرائيليون يصادقون على العنف ويحرضون الجماهير ضد الفلسطينيين وضد قيادتهم في الماضي والحاضر. وثمة أمثلة تستدعي الملاحظة، والتي تشتمل على تصنيف المحتجين الفوري كمشتبه بهم في ارتكاب أعمال "العنف والإرهاب"، بالإضافة إلى الحديث التحريضي من جانب المسؤولين الإسرائيليين عن القيادة الفلسطينية الحالية، واستثناء النواب العرب الإسرائيليين من الاجتماعات الرسمية، والدعوة إلى التسلح المدني الإسرائيلي في كل الأوقات لمقاتلة "الإرهابيين"، وزعم كبير من رئيس الوزراء نتنياهو بأن مفتي فلسطين الأسبق في القدس، "الحاج أمين الحسيني" كان الدافع وراء "الحل النهائي النازي لليهود الأوروبيين".
ويقود الفصل والخوف المزمن إلى عدم القدرة على التعاطف مع معاناة الآخرين. وعندما يجتمع الافتقار الى التعاطف مع التحريض على الخوف وتشجيع اتجاه وعدوانية الترصد، فإن ذلك يفرز خليطاً خطيراً يفضي إلى عنف لا يمكن وقفه. وخلال الأسابيع القليلة الماضية في إسرائيل، أصبحت هذه الأشكال من التطورات شيئاً مألوفاً، بما في ذلك عمليات قتل عديدة خارج القانون بحق مشتبه بهم من الفلسطينيين، بالإضافة إلى قتل رعاع إسرائيليين لرجل تبين لاحقاً أنه بريء.
إذا كان لنا أن نحكم من خلال الخطاب الذي يصدر عن المسؤولين الإسرائيليين، فإن دعايتهم النارية ستذهب إلى مزيد من السوء وحسب، ومعها المزيد من الأعمال العنيفة والمأساوية. ومن الواضح أنه بالإضافة إلى العنف اليومي للاحتلال، فإن هذا التصعيد في الخطاب -والدعاية المعادية للفلسطينيين- يفضيان إلى تداعيات مأساوية ليس على الفلسطينيين وحدهم فقط، وإنما على المجتمع الإسرائيلي نفسه أيضاً.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*نشرت هذه المقالة تحت عنوان: The Violence, Crisis and Tragedy of Israeli Propaganda

التعليق