صهاينة مدى الحياة.. لكننا اخترنا مقاطعة إسرائيل لهذه الأسباب

تم نشره في الخميس 29 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 12:00 صباحاً
  • جندي إسرائيلي يعتقل طفلاً فلسطينياً خلال احتجاج في قرية النبي صالح مؤخراً - (أرشيفية)

ستيفن ليفيتسكي وغلين ويل - (الواشنطن بوست) 23/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

نحن صهاينة طوال عمرنا. ومثل بقية اليهود التقدميين، تأسس دعمنا لإسرائيل على اعتقادين: الأول، إن وجود دولة هو شيء ضروري لحماية شعبنا من كارثة مستقبلية. والثاني، أن أي دولة يهودية سوف تكون ديمقراطية، تعتنق كل قيم حقوق الإنسان العالمية التي أخذها الكثيرون درساً من خبرة المحرقة. والإجراءات غير الديمقراطية التي يجري تطبيقها في السعي إلى استدامة إسرائيل، مثل احتلال الضفة الغربية وغزة، وإنكار الحقوق الأساسية للفلسطينيين الذين يعيشون هناك، كانت تُفهم على أنها مجرد إجراءات مؤقتة.
لكن علينا أن نواجه الحقيقة: لقد أصبح الاحتلال دائماً. وبعد نصف قرن تقريباً من حرب الأيام الستة، تستقر إسرائيل على نظام أشبه ما يكون بنظام الفصل العنصري "الأبارتيد" الذي كان العديد من قادة إسرائيل السابقين قد حذروا منه. وقد تضاعف عدد سكان المستوطنات في الضفة الغربية 30 ضعفاً، مرتفعاً من حوالي 12.000 في العام 1980 إلى 389.000 في هذا الوقت. ويتم التعامل مع الضفة الغربية، وبشكل متزايد، على أنها جزء من إسرائيل؛ حيث مُسح الخط الأخضر الذي كان يحدد الأراضي المحتلة من العديد من الخرائط. وقد أعلن الرئيس الإسرائيلي ريوفين ريفلين مؤخراً أن السيطرة على الضفة الغربية "ليست مسألة للنقاش السياسي. بل إنها حقيقة أساسية للصهيونية الحديثة".
إن هذه "الحقيقة الأساسية" تشكل ورطة أخلاقية لليهود الأميركيين: هل نستطيع الاستمرار في احتضان دولة تنكر على نحو دائم الحقوق الأساسية لشعب لآخر؟ كما أنها تشكل مشكلة من منظور صهيوني: لقد عكفت إسرائيل على السير في طريق يتهدد وجودها نفسه.
كما حدث في حالتي روديسيا وجنوب أفريقيا، فإن إخضاع إسرائيل الدائم للفلسطينيين سيعزلها حتماً عن الديمقراطيات الغربية. ولم يقتصر الأمر على أن الدعم الأوروبي لإسرائيل قد وهن، وإنما بدأ الرأي العام الأميركي -الذي بدا ذات مرة صلباً كالصخر- في التحول أيضاً، وخاصة في أوساط أبناء الألفية الجديدة. وبالكاد تشكل منزلة الدولة المنبوذة المارقة وصفة ناجحة لاستدامة إسرائيل.
في الوطن، يقوم الاحتلال بمفاقمة الضغوط الديموغرافية التي تهدد بتمزيق المجتمع الإسرائيلي إرباً. كما راكم نمو المستوطنين والسكان المفرطين في التطرف النزعات الشوفينية اليهودية، وزاد من تغريب السكان العرب المتزايدين. وبكونها تنقسم إلى مجتمعات غير قابلة للتصالح على نحو متزايد، فإن إسرائيل تجازف بخسارة الحد الأدنى من التسامح المتبادل، الذي يعد ضرورياً لأي مجتمع ديمقراطي. وفي مثل هذا السياق، فإن العنف من نوع الموجة الأخيرة من الهجمات في القدس والضفة الغربية سوف يصبح طبيعياً من الناحية الفعلية.
وأخيراً، يهدد الاحتلال الأمن نفسه الذي كان يهدف إلى ضمانه. وقد تغيرت الحالة الأمنية في إسرائيل بشكل درامي منذ حربي العامين 1067 و1973. وأنهى السلام مع مصر والأردن، وإضعاف العراق وسورية، والتفوق العسكري الإسرائيلي الجامح في الوقت الحالي -بما في ذلك رادعها النووي (غير المعلن)، أنهى كل ذلك أي تهديد وجودي من جانب الجيران العرب. بل إن وجود دولة فلسطينية تقودها حماس لن يفضي إلى تدمير إسرائيل. وكما بين ستة من الرؤساء السابقين لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، شين بيت، في وثيقة العام 2012 بعنوان "حراس البوابات"، فإن الاحتلال في حد ذاته هو ما يهدد أمن إسرائيل على المدى البعيد: حيث يجبر الاحتلال إسرائيل على الدخول في أعمال حربية غير متناسبة، والتي تصيب مكانتها الدولية بالتآكل، وتحد من قدرتها على تشكيل تحالفات إقليمية ضد المتطرفين الطائفيين، ويظل الاحتلال، وبشكل حاسم، الدافع الرئيس وراء العنف الفلسطيني.
بجعل هذا الاحتلال دائماً، يقوض قادة إسرائيل قابلية دولتهم للحياة. ولسوء الحظ، فإن التحركات المحلية لتجنب ذلك المصير قد تلاشت. وبفضل الازدهار الاقتصادي والأمن المؤقت الذي وفره جدار الفصل في الضفة الغربية ونظام القبة الحديدية للدفاع الصاروخي، لم تعد الكثير من الأغلبية الصهيونية العلمانية في إسرائيل تشعر بأنها في حاجة إلى اتخاذ الخطوات الصعبة التي يتطلبها إحلال السلام الدائم، مثل إخلاء مواطنيهم من مستوطنات الضفة الغربية، والاعتراف بالضغط المعنوي والمعاناة اللذين تسببت بهما إسرائيل للكثير جداً من الفلسطينيين.
إننا نقف الآن على منعطف حرج. وسوف يتغلب نمو المستوطنات والاتجاهات الديموغرافية على قدرة إسرائيل على تغيير النهج. ولأعوام، داوما على دعم الحكومات الإسرائيلية -حتى تلك التي اختلفنا معها بشدة- بسبب الاعتقاد بأن إسرائيل آمنة سوف تتصرف للدفاع عن مصالحها طويلة الأجل. لكن تلك الاستراتيجية فشلت. وأصبح داعمو إسرائيل، وبطريقة مأساوية، هم الذين يمكنونها. واليوم، لم تعد هناك أي فرصة واقعية أمام إسرائيل لاتخاذ الخيارات الضرورية لضمان استدامتها كدولة ديمقراطية في ظل غياب أي ضغط خارجي.
بالنسبة لداعمي إسرائيل من أمثالنا، فإن كل أشكال الضغط الممكنة مؤلمة. ولعل الآليات الوحيدة التي يمكنها تشكيل الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل مرضٍ هي سحب المساعدات الأميركية والدعم الدبلوماسي، وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات من الاقتصاد الإسرائيلي. ولن تكون لمقاطعة السلع التي تنتج في المستوطنات آثار كافية لحث الإسرائيليين على إعادة النظر في الوضع القائم.
وهكذا، وعلى نحو متردد، وإنما حازم، أصبحنا نرفض السفر إلى إسرائيل ونقاطع المنتجات القادمة من هناك، وندعو جامعاتنا إلى سحب الاستثمار ونوابنا المنتخبين إلى سحب المساعدات المقدمة لإسرائيل. وحتى تنخرط إسرائيل بجد في عملية سلام تؤسس دولة فلسطينية ذات سيادة، أو أن تمنح المواطنة الديمقراطية الكاملة للفلسطينيين الذين يعيشون في دولة واحدة، فإننا لا نستطيع الاستمرار في دعم حكومات تهدد تصرفاتها وأفعالها استدامة إسرائيل على المدى الطويل.
بطبيعة الحال، تشكل إسرائيل بالكاد تكون أسوأ منتهك لحقوق الإنسان في العالم. أولا تشكل مقاطعة إسرائيل -وإنما ليس الدول الأخرى التي تنتهك الحقوق- تصرفاً بمعيار مزدوج؟ أجل. لكننا نحن نحب إسرائيل ونشعر بقلق عميق على بقائها. استدامتها. ونحن لا نشعر بأننا مستثمرون بالقدر نفسه في مصير الدول الأخرى.
على النقيض من دول معزولة دولياً مثل كوريا الشمالية وسورية، فإن من الممكن أن تتأثر إسرائيل بالمقاطعة بشكل كبير. ولا تستطيع الحكومة الإسرائيلية الاستمرار في متابعة نهجها الأحمق من دون مساعدات أميركية ضخمة، والاستثمارات، والتجارة، والدعم المعنوي والدبلوماسي.
إننا ندرك أن بعض المدافعين عن المقاطعة مدفوعون بفعل بمعارضة (بل وحتى كراهية) إسرائيل. أما دافعنا نحن فهو العكس بالضبط: الحب لإسرائيل والرغبة في إنقاذها.
مرتدعاً من تشددية الأفريكانيين العرقية-الدينية في جنوب أفريقيا، كتب مؤسس الصهيونية، ثيودور هيرتزل: "إننا لا نريد دولة على غرار البوير، وإنما على غرار فينيسيا". ويجب على الصهاينة الأميركيين العمل للضغط على إسرائيل من أجل الحفاظ على رؤية هيرتزل -ولغاية إنقاذ نفسها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
We are Lifelong Zionists. Here's why We've Chosen to Boycott Israel

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق