فهد الخيطان

العساف يذكرنا بأحسن ما فينا

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:08 مـساءً

رفع نواب من سقف مطالبهم، بالدعوة إلى استقالة الحكومة على خلفية حادثة جمرك عمان المؤسفة. وهذا ليس بالأمر المفاجئ في تقاليد العمل البرلماني؛ فنواب المعارضة لا يفوتون في العادة فرصة -وهذا من حقهم- إلا ويحاولون استثمارها لإقالة الحكومة، حتى مع معرفتهم الأكيدة بأن حظوظهم ضئيلة في كسب دعم الأغلبية.
في المقابل، كان قرار مجلس الوزراء بإحالة مدير عام دائرة الجمارك السيد منذر العساف إلى التقاعد، ضمن سقف التوقعات؛ كرد فعل أخلاقي على الحادثة، لا يرتب على المدير أي مسؤولية قانونية.
ما يلفت النظر ليس قرار الحكومة في هذا الشأن، فهو كما قلت كان متوقعا، وإنما رد فعل العساف المتزن والحكيم على القرار. لقد تصرف الرجل بمهنية عالية، كما ينبغي أن يتصرف كل من يتولى المسؤولية العامة. تصريحاته بعد صدور قرار مجلس الوزراء، أظهرت قدرا من الاحترام لنفسه ووظيفته التي شغلها، وللنظام العام في الدولة؛ لم يعترض أو ينتقد القرار، ولم يجار محاولة البعض تصويره ككبش فداء؛ شكر الدولة التي منحته "شرف" إدارة مؤسسة مهمة، وتمنى النجاح لخليفته، ورفض التعليق على ما قيل بحقه من نواب. باختصار، غادر مكتبه ممتنا، ومتمسكا بولائه لبلده ومليكه.
موقف العساف ذكرنا بتقاليد الوظيفة العامة في الأردن، والتي تعرضت للانتهاك على يد مسؤولين، خاصة في السنوات الأخيرة. فما أن يغادر أحدهم موقعه، حتى يبدأ بـ"الطخ" على الحكومة والدولة، ويحرك وسائل إعلام لهذه الغاية، ويدخل نواب على خط القضية للانتصار للمدير الجهبذ الذي راح ضحية للمؤامرات!
وفي جلساته الخاصة والعامة، لا يوفر المدير المقال خليفته، ويبشر بخراب المؤسسة من بعده. ثم لا يتردد بعد ذلك في الانتقال إلى صفوف المعارضة، مطالبا بالإصلاح ومحاربة الفساد.
أفضل ما في البيروقراطية الأردنية، روح الامتثال عند الموظف العام للنظام والمؤسسات؛ تدخل عجلتها موظفا صغيرا، وقد تصبح مديرا، ثم تغادرها من دون ضجيج، سواء كنت مديرا عاما أم أمينا لوزارة.
وتحمل ذكريات قدماء الموظفين الكبار في الدولة قصصا طريفة عن مديرين علموا بقرار تقاعدهم من خليفتهم، أو من صحف الصباح قبل أن تتطور وسائل الاتصال. لم يكن أحد ليتذمر أو يشكو؛ يسلم الأمانة لمن يخلفه، ويغادر مكتبه فخورا بما أنجز وأضاف، وشعاره على الدوام: "لو دامت لغيرك ما وصلت إليك".
ربما كان بعضهم يحمل حسرة في قلبه، أو يكون قد تعرض لمكيدة من مسؤول أعلى مرتبة منه. لكنه رغم ذلك لا يتنمر على التقاليد، ولا يفكر في إلحاق الضرر بسمعة مؤسسته وبلده.
لقد سمعت من أشخاص غادروا مواقع المسؤولية كلاما مقززا عمن خلفهم في الموقع، وعبارات مهينة بحق رؤساء حكومات كانوا قبل أيام قليلة يؤدون التحية لهم. وحرص آخرون على نشر غسيل مؤسساتهم بعد أن غادروها، بينما لم ينطقوا بكلمة عندما كانوا على رأسها.
لا توجد في الأردن مدونات سلوك، تحظر على الموظف العام أو من هو في رتبة مدير، البوح بأسرار مؤسسته عند مغادرتها، واحترام قرارات السلطة الأعلى، وعدم انتقادها حتى لو تعلقت به. لكن رغم ذلك، كان لدينا إرث من التقاليد التي حكمت الوظيفة العامة؛ تراكمت بفعل تجارب الزمن، وأصبحت أقوى من القوانين.
بعض من مروا على الوظيفة العامة كادوا أن يشطبوا هذه التقاليد. لكن مسؤولين من طينة منذر العساف المحترمة، ذكرتنا بأحسن ما فينا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كما تدين تدان (صخر)

    السبت 31 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    كما تدين تدان عطوفتك هناك موظفين شرفاء قدمو انفسهم خدمتا للوطن وللمواطنين وللجلاله الملك ولكن اردت على اقالتهم من دون سبب وانت على علم مسبق بنزاهتهم اخبرني الان بماذا تشعر وما الحاله التي تمر بها بعد التقاعد
  • »اعتقد ان الفساد وصل العظم (الفرد عصفور)

    السبت 31 تشرين الأول / أكتوبر 2015.
    قرار التقاعد فيه ظلم واضح ليس فقط للعساف ولكن للحقيقة. يجب اجراء تحقيق ومعرفة الجهة التي استوردت اصلا والجهة التي ممرت الشحنة من العقبة الى عمان. فان كان هناك قرار باىعادة تصديرها فلماذا تجلب الى جمرك عمان؟ ولماذا البيع بالمزاد العلني في عمان؟ لماذا لاتصادر وتتلف وينتهي الامر؟ ويحال المستورد الذي وضع في البيان الجمركي ان المحتويات هي طاولات خشب؟ احسب ان في الامر خدعة. فصاحب الشحنة الاصلي هو الذي رتب كشفها ونقلها الى جمرك عمان وهو الذي تواطىء مع اشخاص معينين لا نعرفهم ولكن الحكومة تعرفهم لكي يتم اجراء بيع بالمزاد العلني لغرض وهمي هو اعادة التصدير.