أي الطرق هي الأفضل للسياسة الخارجية الأميركية؟

تم نشره في السبت 31 تشرين الأول / أكتوبر 2015. 11:00 مـساءً
  • جنود أميركيون في العراق -(أرشيفية)

جوزيف ناي*

بنغالور- عندما تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً في الأمم المتحدة عن مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، اشتكى كثيرون من منتقديه من تركيزه بقدر أكبر مما ينبغي على الدبلوماسية، وعدم استخدامه للقدر الكافي من القوة. وبطبيعة الحال، أجريت المقارنات مع تدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن العسكري في الحرب الأهلية الدائرة في سورية؛ ومع تحول الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية إلى حالة أعظم من التأهب، اتهم بعض المرشحين الجمهوريين أوباما بالانعزالية.
لكن مثل هذه الاتهامات ليست أكثر من خطاب سياسي متحزب، ولا تقوم على أساس في التحليل السياسي الدقيق. وسيكون من قبيل الدقة أن ننظر إلى المزاج الحالي باعتباره تأرجحاً لبندول السياسة الخارجية الأميركية بين ما أسماه ستيفن سيستانوفيتش من جامعة كولومبيا سياسات "عدم التنازل"، وبين سياسات "التخندق".
التخندق ليس انعزالية؛ بل هو في واقع الأمر تعديل للأهداف الاستراتيجية والوسائل. ومن الرؤساء الذين اتبعوا سياسات التخندق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية دوايت أيزنهاور، وريتشارد نيكسون، وجيمي كارتر، والآن باراك أوباما. وما كان لمؤرخ موضوعي أن يعتبر أياً من هؤلاء الرجال انعزالياً بعد كل شيء.
لقد خاض أيزنهاور السباق الرئاسي في العام 1952 لأنه كان يعارض انعزالية روبرت تافت، المرشح الجمهوري البارز. وفي حين تصور نيكسون أن الولايات المتحدة في طور انحدار، فإن الآخرين لم يكونوا يشاركونه ذلك الاعتقاد. وكانوا جميعاً من الأمميين الأقوياء مقارنة بالانعزاليين الحقيقيين في ثلاثينيات القرن العشرين، والذين عارضوا بشدة التقدم لمساعدة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية.
ويستطيع المؤرخون أن يسوقوا حجة ذات مصداقية، والتي تقول إن فترات فرط الالتزام من جهة رافضي التنازل ألحقت بمكانة أميركا في العالم ضرراً أكبر من ذلك الذي أنزلته بها فترات التخندق. فقد أنتجت ردود الفعل السياسية الداخلية لمثالية وودرو ويلسون العالمية تلك الانعزالية الشديدة التي أخرت رد فعل أميركا لهتلر. وكان تصعيد الحرب في فيتنام في عهد الرئيسين جون ف. كينيدي وليندون جونسون سبباً في إنتاج النظرة المنغلقة إلى الداخل في سبعينيات القرن العشرين. وكان غزو جورج بوش المضلل للعراق سبباً في خلق المزاج الحالي من التخندق.
إذا كان لهذا المزاج أن يصبح قضية في الحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة في العام 2016، كما يوحي الخطاب المبكر للحملة، فإنه يتعين على الأميركيين أن يسقطوا المناقشة الزائفة حول الانعزالية، وأن يتوجهوا بدلاً من ذلك إلى معالجة ثلاثة أسئلة جوهرية حول مستقبل السياسة الخارجية للبلاد: بأي ثمن؟ وإلى أي مدى قد يذهب التدخل؟ وإلى أي مدى يمكن تبني التعددية؟
السؤال الأول هو كم ينبغي للولايات المتحدة أن تنفق على الدفاع والسياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن البعض يزعمون أنه ليس لدى أميركا خيار سوى تقليص النفقات في هاتين المنطقتين، فإن هذا ليس هو واقع الحال حقاً، لأن الولايات المتحدة تنفق كحصة من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نصف ما كانت تنفقه في أوج الحرب الباردة، عندما كان قرن الزعامة الأميركية متماسكاً.
ليست المشكلة تتعلق بالمَدافع في مقابل الزبد، وإنما المدافع في مقابل الزبد في مقابل الضرائب. ففي غياب الرغبة في زيادة الإيرادات، تظل النفقات الدفاعية حبيسة مقايضة محصلتها صفر مع استثمارات مهمة مثل التعليم، والبنية الأساسية، والبحث والتطوير -وكل هذا يشكل أهمية حاسمة لتعزيز قوة أميركا الداخلية ومكانتها العالمية.
يتعلق السؤال الثاني بالكيفية التي ينبغي للولايات المتحدة أن تتدخل بها في الشؤون الداخلية لدول أخرى. وقد قال أوباما إن على أميركا أن تستخدم القوة العسكرية، من جانب واحد إذا لزم الأمر، عندما يصبح أمنها أو أمن حلفائها مهدداً. وإذا لم يكن الأمر كذلك، وإنما الضمير يحث البلاد على التحرك -ولنقل ضد دكتاتور يقتل أعداداً كبيرة من مواطنيه- فلا ينبغي أن تتدخل الولايات المتحدة وحدها ولا ينبغي لها أن تستخدم القوة إلا إذا كانت احتمالات النجاح لا بأس بها.
وهي مبادئ معقولة، ولكن أين مواضع العتبات؟ إن المشكلة ليست جديدة. فقبل ما يقرب من قرنين من الزمن، كان كوينسي أدامز، الرئيس الأميركي السادس، يتصارع مع المطالبات المحلية بالتدخل في حرب الاستقلال اليونانية عندما صرح بمقولته الشهيرة: "الولايات المتحدة لا تذهب إلى الخارج بحثاً عن وحوش تدمرها". ولكن ماذا لو كان التسامح مع حرب أهلية كتلك الجارية في سورية يسمح لجماعات إرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية بإنشاء ملاذ آمن؟
ينبغي للولايات المتحدة أن تمتنع عن أعمال الغزو والاحتلال. ففي عصر يتسم بالنزعات القومية وشعوب يمكن أن تحتشد اجتماعياً، فإن الاحتلال الأجنبي، كما استخلص أيزنهاور بحكمة في خمسينيات القرن العشرين، من المحتم أن يفضي إلى توليد الاستياء والسخط. ولكن، ما الذي قد يصلح في محله؟ هل يكفي استخدام القوة الجوية وتدريب قوات أجنبية؟ في الشرق الأوسط بشكل خاص، حيث من المرجح أن تستمر الثورات لجيل كامل، يصعب التوصل إلى تركيبة ذكية تجمع بين القوتين الصارمة والناعمة.
تُظهِر خُطَب المرشحين للرئاسة الأميركية مؤخراً أن المناقشة حول أول سؤالين أعلاه قد بدأت بالفعل. ولكن الولايات المتحدة تتجاهل السؤال الثالث، وهو ما من شأنه أن يعرضها لمخاطر واضحة. ولكن كيف قد يتسنى لأميركا أن تعمل على تعزيز المؤسسات، وخلق الشبكات، ووضع السياسات اللازمة لإدارة القضايا العابرة للحدود؟
إن تولي الدولة الأكثر قوة لمهام الزعامة أمر مهم لإنتاج المنافع العامة العالمية. ولكن من المؤسف أن الجمود السياسي داخل أميركا كثيراً ما يعوق هذا الأمر. وعلى سبيل المثال، فشل مجلس الشيوخ الأميركي في التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، على الرغم من أن هذا يصب في مصلحة أميركا الوطنية. بل إن الولايات المتحدة تحتاج إلى هذه الاتفاقية لدعم موقفها بشأن كيفية حل المطالبات الإقليمية المتنافسة في بحر الصين الجنوبي.
على نحو مماثل، فشل الكونغرس في الوفاء بالالتزام الأميركي بدعم إعادة توزيع القوة التصويتية داخل صندوق النقد الدولي لصالح بلدان الأسواق الناشئة، مع أن القيام بهذا لن يكلف إلا أقل القليل. وقد مهد هذا الفشل الطريق أمام الصين لإطلاق البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية (الذي أخطأت الولايات المتحدة آنذاك عندما حاولت عرقلته، وكانت التكلفة التي تحملتها سمعتها كبيرة). وهناك مقاومة قوية في الكونغرس الأميركي لوضع حدود للانبعاثات الكربونية في فترة التحضير لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، المقرر عقده في باريس في شهر كانون الأول (ديسمبر).
من الواضح أن التساؤل حول كم الإنفاق الواجب على الشؤون الخارجية وكيفية التدخل في الأزمات البعيدة أمر بالغ الأهمية. ولكن ينبغي للأميركيين أن يهتموا بالقدر نفسه إزاء تقهقر "استثنائية" بلادهم لكي تحل محلها "الإعفائية". فكيف للولايات المتحدة أن تحافظ على زعامتها العالمية بينما ترى البلدان الأخرى كيف يعرقل الكونغرس الأميركي التعاون الدولي بلا انقطاع؟ في هذا الصدد، لم تبدأ المناقشة بعد.

*مساعد سابق في وزارة الدفاع الأميركية ورئيس مجلس الاستخبارات القومية الأميركي. وهو أستاذ في جامعة هارفارد وعضو مجلس أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الحكم. آخر كتبه هو "هل انتهى القرن الأميركي؟".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق