إحياء فكرة "الزعيم العظيم"

تم نشره في السبت 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

كريس باتِن*

لندن- أكثر من مائتي عام انقضت منذ دارت رحى معركة واترلو، عندما تسببت الهزيمة الكارثية التي مُني بها نابليون في إحداث شرخ كبير في الصورة الذاتية لبلاده، حتى أن الجنرال شارل ديغول حذف هذه الواقعة ببساطة من تأريخه للجيش الفرنسي. ومع ذلك، من السهل أن يحجز نابليون، مثله في ذلك كمثل ديغول، مكاناً لنفسه على أي قائمة تجمع الزعماء العظماء في التاريخ -على افتراض أننا نعتبر "العظمة" سِمة فردية بطبيعة الحال.
قد يقول ماركس وتولستوي إن "الزعيم العظيم" هو شيء لا وجود له. ففي نظر ماركس، كان الصراع الطبقي في فرنسا سبباً في خلق الظروف التي سمحت بتحول شخص "مضحك ومتوسط القدرة" -المقصود هو نابليون- إلى بطل. أما تولستوي فيرى أن نابليون لم يكن جنرالاً بارعاً بشكل بارز، وكانت شجاعة والتزام الجنود الفرنسيين الأفراد الذين فازوا في معركة بورودينو هي التي حملته إلى النصر.
ولكن، سواء كان نابليون عظيماً أو لم يكن، فإن السؤال يظل هو ما إذا كان أي زعيم قد يستحق ذلك الوصف. وإذا كان الأمر كذلك، فمن هو الذي يستحق؟
يبدو أن هناك معيارين يتسمان بأهمية خاصة في تعريف القيادة العظيمة. وقد لاحظ هذين المعيارين الفيلسوف السياسي أشعيا برلين. أولاً، هل يدرك الزعيم في أي اتجاه تهب رياح التاريخ؟ كان هذا المعيار متوفراً في أوتو فون بسمارك، وكذلك زميله الألماني كونراد أديناور؛ فكل منهما كان بوسعه، كما قال بسمارك في عبارته التي لا تُنسى، أن يسمع "حفيف عباءة الرب".
ثانيا، هل يواجه الزعيم اختيارات أو قرارات مهمة يتعين عليه أن يتخذها؟ بطبيعة الحال، إذا كانت القرارات مفروضة على الزعيم، فلا يسعنا حقاً أن ننسب إليه الفضل فيها (أو نلومه عليها). أي أن المفتاح هنا يتمثل في كون الفرصة متاحة للزعيم لكي ينظر في البدائل، ويختار الصحيح منها لبلده.
هذا هو السبب وراء تواجد ديغول شبه المؤكد على أي قائمة تحمل أسماء زعماء عظماء. فقد تمكن بمفرده تقريباً من إنقاذ فرنسا من منطقة التغريب والإقصاء بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد عودته إلى السلطة في العام 1985، أنقذ بلاده مرة أخرى، فأخمد محاولتين انقلابيتين، وأنهى الحرب في الجزائر، وألهم دستور الجمهورية الخامسة.
على نحو مماثل كثيراً لما فعله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، أعطى ديغول الفرنسيين نظرة جديدة للعالم، والتي رسخت مكانتهم في النظام العالمي في فترة ما بعد الحرب. والواقع أن النظرة العالمية التي أسسها كل من ديغول وتشرشل لبلده تَبَيّن أنها كانت بعض الشيء أشد تأثيراً مما ينبغي. فقد واصل خلفاؤهما النظر إلى العالم -والدور الذي يلعبه كل من بلديهما فيه- من مناظير كانت سبباً في تكبيل المناقشة العقلانية وتشويه عملية اتخاذ القرار لسنوات. ونتيجة لهذا، لم يأت أي زعيم لاحق من البلدين بوزن هذين الزعيمين.
لكن هناك رئيس وزراء بريطاني آخر ربما يقترب منهما: مارغريت تاتشر، الشخصية المثيرة للجدل، والتي أحبها البعض وكان البعض الآخر يمقتونها. وحتى استقالتها، قبل 25 عاماً، كانت ناجمة عن تمرد في حكومتها وحزبها. ولكن ليس بالضرورة أن يكون المرء محبوباً من الجميع لكي يصبح زعيماً عظيما. والحقيقة هي أن الذين يحطون من قدر تاتشر أنفسهم لا يمكنهم إنكار تأثيرها.
علاوة على كونها أول امرأة تتولى منصب رئيس الوزراء في بريطانيا، وكونها بين الأوائل في أي مكان، ساعدت تاتشر في وقف وعكس اتجاه التدهور الاقتصادي في بريطانيا. كما أصبحت بريطانيا دولة قابلة للحكم بفضل هجومها على النقابات مفرطة القوة في وقت حيث بدا الأمر وكأن البلاد تنزلق إلى الانحراف والفوضى. ومن المؤكد، نظراً لكل هذا، أنها مرشحة لمنزلة "الزعيم العظيم".
على نحو مماثل، ربما يتأهل الرئيس الصيني دنج شياو بينج لمكانة الزعيم العظيم، على الرغم من سجله الذي لم يكن ناصع البياض. ففضلاً عن قيامه بأفعال ظلامية باعتباره أحد مساعدي ماو تسي تونغ، لعب دنج دوراً حاسماً في إصدار الأمر بتنفيذ مذبحة ميدان السلام السماوي في العام 1989. ولكن دنج أطلق أيضاً العنان للسوق، ووضع البلاد على الطريق إلى فترة من النمو غير المسبوق والازدهار، والتي تمكنت الصين خلالها من انتشال مئات الملايين من المواطنين الصينيين من براثن الفقر.
وهناك كثيرون ممن يعتبرون لي كوان يو، مؤسس سنغافورة ورئيس وزرائها لفترة طويلة، شخصاً عظيما، ولو أنه ربما كان ليرحب بالفرصة لاختبار همته في ساحة أكبر. ويبدو في واقع الأمر أن الحجم يؤثر بالفعل على قدرة المرء على تأمين منزلة الزعيم العظيم. وأنا لا أقصد إهانة بيت لوكسمبورغ عندما أزعم أنه من غير المرجح أن ينشأ زعيم عظيم من ذلك البلد الضئيل الحجم، وخاصة في ضوء السياسة المستقرة عموماً هناك.
أما الولايات المتحدة فهي بكل تأكيد كبيرة الحجم بالقدر الكافي لإنتاج زعماء عظماء. وقد قام بعض رؤسائها بأعمال عظيمة بالفعل. فقد أظهر هاري ترومان ودوايت أيزنهاور -وهما ليسا من عمالقة الفِكر بكل تأكيد- قدرة ممتازة على الحكم على الأمور عندما رسخا النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب، وهو النظام الذي ساعد في دعم السلام في قسم كبير من العالم لعشرات السنين. وكان آخرون، بمن في ذلك رونالد ريغان وبيِل كلينتون، يتمتعون بمواهب عظيمة -ولنقل القدرة على الإلهام أو موهبة الإقناع.
كان جون كينيدي يتمتع بقليل من القدرتين. وقد أتى بصنيع واحد عظيم: حل أزمة الصواريخ الكوبية. كما كانت موهبته في تحفيز الناس لا مثيل لها؛ بل إن موهبته هذه ظلت باقية من بعده، حيث عمل اغتياله على ترسيخ إرث قوي.
وفي أفريقيا، لم تظهر أي شخصية عظيمة منذ وفاة رئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، الذين جمع بين الشجاعة والسلطة والشهامة بوفرة رشيقة. وكان من بين الزعماء الأكثر جاذبية وسحراً من الذين التقيت بهم؛ وكان الرجلان الآخران -الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان ووزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق كولين بأول- إما أفريقيين أو أميركيين من أصل أفريقي.
ولكن، ماذا عن اليوم؟ الواقع أن الأوروبي المعاصر الوحيد الذي ربما يستحق ارتداء عباءة العظمة ليس سوى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، زعيمة الاتحاد الأوروبي بحكم الأمر الواقع. وهي، مثلها مثل المستشار السابق هلموت كول، لم تحظ بالتقدير الكافي في البداية، ولكنها كانت ناجحة في اتخاذ القرارات الكبيرة. فقد لبى كول شروطاً سخية لإعادة توحيد شطري ألمانيا؛ وتصدت ميركل للرئيس الروسي فلاديمير بوتن بعد تدخله في أوكرانيا، وتبنت نهجاً سخياً في التعامل مع أزمة الهجرة.
أظن أن ماركس وتولستوي كانا مخطئين. فالزعامة السياسية -والنساء والرجال الذين يمارسونها- يمكن أن تحدث فارقاً كبيرا، نحو الأفضل أو الأسوأ. وتُعَد ميركل اليوم مثالاً رائداً لهذه الحقيقة، فهي تعكف على تزويد أوروبا بما تحتاج إليه من توجيه وإرشاد حتى يتسنى لها أن تتمكن من التصدي للأزمة الطاحنة الحالية التي تهدد وجودها.

*آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، ومفوض الاتحاد الأوروبي السابق للشؤون الخارجية. مستشار جامعة أكسفورد.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق