انتصار اردوغان العنيف

تم نشره في السبت 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • تركيات من أنصار حزب العدالة والتنمية يحتلفن بفوز الحزب في الانتخابات الأخيرة -(أرشيفية)

روجر كوهين – (النيويورك تايمز) 2/11/2015

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إسطنبول- بالنسبة للرئيس رجب طيب اردوغان، كان العنف بالتحديد هو الذي صنع كل الفرق. فقد عمل على تحويل كلمة "الاستقرار" لتكون الكلمة السحرية الرئيسية في الانتخابات التي قادت حزبه، العدالة والتنمية، إلى نصر حاسم كان قد فشل في تحقيقه في 7 حزيران (يونيو). والآن، عاد حكم الحزب الواحد في تركيا، حيث يقوم رجل واحد بتحريك كل الخيوط.
على نحو غريب، استطاع اردوغان أن يعرض نفسه كتجسيد للاستقرار، في حين كانت سياسة عدم الاستقرار هي طريقة عمله المميزة على مدى الأشهر الخمسة الماضية. أو ربما على نحو ليس غريباً تماماً –يفهم اردوغان، الذي مضت الآن نحو 12 سنة على وجوده في السلطة، نفسية الخوف والقوة اللتين تنطوي عليها فكرة القومية التركية السنية، خاصة عندما يظهر شبح الصراع الكردي القديم.
في الفترة الأخيرة، لعب الرئيس بالنار. وكان موقفه تجاه جهاديي "الدولة الإسلامية" الإرهابيين يزاوج بين المعارضة الرمزية والإهمال الحميد، بالقدر الذي يكفي على أي حال لإنتاج هجومين إرهابيين، واحد بالقرب من الحدود السورية في 20 تموز (يوليو)، والآخر في الشهر الماضي في أنقرة، والذي خلف نحو 130 قتيلاً. وكان معظم الضحايا من الأكراد. وبسبب تعرضهم للهجوم والمطاردة على عدة جبهات في الأشهر الأخيرة، سواء في داخل الحدود التركية أو خارجها، عاد مسلحو حزب العمال الكردستاني إلى استخدام العنف، فقتلوا رجلي شرطة تركيين يوم 22 تموز (يونيو). وهكذا، استيقظت الحرب القديمة من سباتها. وسمح ذلك لاردوغان بالإيحاء بأنه هو الذي يقف، وحده فقط، بين الأتراك وبين الفوضى على غرار ما يحدث في الدول المجاورة.
كان ذلك، باختصار، هو الذي تغير في الفترة الوجيزة بين حزيران (يونيو) والآن. لم يحترم اردوغان إرادة الناس الذين يحب التحدث باسمهم. لم تكن نتيجة انتخابات حزيران (يونيو) على هواه؛ ولذلك، عكف بكل الوسائل على محاولة إلغائها والعمل مجدداً على تأمين أغلبية برلمانية. وكانت الهشاشة هي حليفه السياسي.
في الانتخابات الجديدة، قفز حزب العدالة والتنمية، الذي يجسد القومية السنية المحافظة في قلب الأناضول ضد الجمهورية العلمانية في الساحل، إلى تحقيق نسبة 49.3 في المائة من الأصوات، مرتفعاً عن نسبة 40.9 التي حققها في انتخابات حزيران (يونيو). وقد حصل الحزب على 317 مقعداً، وهو ما يكفيه ليحكم وحده، في مقابل 258 مقعداً كان قد كسبها قبل خمسة أشهر. وفي هذه الانتخابات، خسر حزب من أقصى اليمين وحزب الشعب الجمهوري الذي يهيمن عليه الأكراد أصواتاً لصالح العدالة والتنمية، بينما اختار القوميون المتطرفون الأكراد المحافظون اردوغان. كان حجم التحول، في هذا الوقت القصير، غير عادي بكل تأكيد.
مع ذلك، استطاع حزب الشعب الجمهوري، الابن الجديد للكتلة السياسية الكردية، أن يجتاز –فقط- عتبة العشرة في المائة القانونية التي تؤهله ليدخل البرلمان. وكان ذلك حاسماً. فمن دون هذا الحزب، كانت هيمنة حزب العدالة والتنمية ستكون ساحقة بحيث تمكن اردوغان من تغيير الدستور وتأسيس رئاسة تنفيذية بلمح البصر. وسوف يظل يدفع في هذا الاتجاه، ولو أن ذلك سيشكل انتكاسة حقيقية. ومع أن تركيا، التي شكلت أفضل أمل للديمقراطية في الشرق الأوسط، لم تذهب إلى الاختفاء كلية على حافة السلطوية، فإنها تظل قريبة من ذلك.
في التعليق على الانتخابات، قال صلاح الدين دميرتاز، الزعيم الكاريزمي لحزب الشعب الجمهوري: "ربما نكون قد فقدنا مليون صوت، لكننا حزب تمكن من الوقوف في وجه كل سياسات المجزرة". وكان ذلك "انتصاراً كبيراً"، كما قال. وهو انتصار مهم فعلاً.
كان حزب الشعب الجمهوري جريحاً، وإنما ليس محتضراً، على الرغم من حملة الاعتقالات واسعة النطاق ضد أعضائه. وربما يتعلق مستقبله على مدى قدرة دميرتاز، الذي يتعرض للانتقادات بسبب عدم إدانته عنف حزب العمال الكردستاني بما يكفي من الصرامة، على رسم مسار كردي حصري وغير عنيف. وسوف يعتمد على ذلك أيضاً مدى القبول الذي يتمتع به الحزب لدى الناخبين من غير الأكراد، في ذلك التطور الذي فاجأ الجميع في حزيران (يونيو).
لكن ديمرتاز يظل مكشوفاً وضعيفاً أمام مكائد إردوغان. وما يزال من غير الواضح مدى إمكانية احتواء اتجاه الفوضى الانحداري الذي تشكل خلال الأشهر الخمسة الأخيرة. لقد خرج جني العنف الذي أطلقه الرئيس من قمقمه. وهاجم الرئيس الصحافة الحرة، وقوض سيادة القانون، واستقطب البلاد وأشاع مناخاً يكون فيه المعارض "مناهضاً للأمة" وخائناً.
قعد الانتخابات، أعلن رئيس الوزراء، أحمد أوغلو، بنغمة انتصار: "دعونا نعمل معاً نحو تركيا خالية من الأزمة، والتوتر والاستقطاب". وبدا ذلك، بصدوره عن رجل اردوغان، أقرب إلى النفاق في أحسن الأحوال.
تبدو تركيا في الوقت الراهن عاكفة على المسار المتعصب الذي تسلكه ديمقراطيات القرن الحادي والعشرين السلطوية، التي تدين بالكثير من نموذجها لروسيا الرئيس فلاديمير بوتين –مجتمعات حيث تسمح هيمنة الأعلام، واستغلال الأزمة، والقومية غير المقيدة وتحطيم سيادة القانون، بخلق واقع سلطوي متنكر بهيئة الديمقراطية. ويشكل هذا النموذج خيانة لفكرة الديمقراطية الأكمل، المتحررة من تهديد الانقلابات العسكرية، والتي كان إردوغان قد وعد تركيا بها قبل دزينة من السنوات، وبدا لوهلة وكأنه يمثلها.
لقد حان الوقت لإنهاء تلك الخيانة. أما البديل، فالمزيد من العنف. أما الذي حدث أخيراً، فكان انتصاراً في ديمقراطية مهدومة.
تحدثت إلى أحمد هاكان، الصحفي البارز الذي تعرض إلى اعتداء بالضرب مؤخراً خلال الحملة على يد معتدين مجهولين. ويأتي هاكان من خلفية متعاطفة مع حزب العدالة والتنمية، لكنه أصبح منتقداً للحزب. وقال لي: "نقدي الأكبر هو أنهم لا يتسامحون مع النقد. أنا لست ضد الحكومة جذرياً، لكنهم مفرطون في عدم التسامح حتى أنهم لا يستطيعون التسامح مع هذا. لقد رأيت حزب العدالة والتنمية وهو يحاول دمقرطة تركيا، لكنه أصبح يتحول خطوة فخطوة إلى حزب رجل واحد".
سألته عن الذين هاجموه. هل هم مقربون من الحكومة؟ لكنه رفض تحديدهم، و قال فقط: "المناخ السياسي في ظل هذه الحكومة يجعل هذا الافتراض ممكناً".

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Erdogan’s Violent Victory

التعليق