إبراهيم غرايبة

"فيسبوك" والإنذار المبكر

تم نشره في السبت 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:07 صباحاً

"البعض قد يذهب إلى الجنة بنصف المشقة التي يتكبدها للذهاب إلى الجحيم" (رالف والدو إيمرسون).
ليس جديدا الحديث عن مؤشرات الخواء والكراهية، والخوف والجهل، والرغبات والغضب... التي تنشئ الأفكار والاتجاهات الفردية والجماعية. وفي المقابل أيضا، هناك مؤشرات الإبداع وفرص التأثير والتشبيك الإيجابيين. وسبق أن دعوت مرارا، في هذه المساحة، إلى الاهتمام بما يمكن أن تقدمة شبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي من مؤشرات تخدم وتطور السياسة الاجتماعية والثقافية.
وإذ أخذت حادثة الموقر (وقبلها بأيام قليلة وفاة سيدتين في ظروف وبطريقة ملفتة وصادمة) بعدا واهتماما كبيرين في الإعلام والجدل المجتمعي، فقد سبقتها أحداث كثيرة يفترض أنها تدق ناقوس الخطر، أو أنها رسائل إنذار يجب قراءتها.
الحديث هنا عن التماسك الاجتماعي وبناء المنعة، ومواجهة الهشاشة المستدل عليها بالتعصب والسلوك غير الاجتماعي الملاحظ في الحياة اليومية وفي شبكة التواصل الاجتماعي؛ ما يؤكد بالضرورة الحاجة إلى رفع سوية المجتمع والأفراد في العمل الجماعي والحوار والاستماع، والتزود بالمعرفة والمهارات الاجتماعية والعلمية.
قضيت ساعات طويلة، استغرقت أغلب يومي الخميس والجمعة الماضيين، أتصفح الصفحات الشخصية لأشخاص في "فيسبوك"، مستخدما الروابط التي وضعت لصفحاتهم من خلال التعليق على صفحة "الغد" أو صفحتي الشخصية في "فيسبوك". وسأقدم في هذه المساحة وصفا عاما وظاهرا للصفحات، مؤجلا النتائج والأفكار الممكن التوصل إليها إلى مقالات أخرى.
فقد كانت جميع الصفحات التي زرتها، بما فيها صفحات أصحاب التعليقات التي تعبر عن موقف واتجاه معتدلين، تخلو من أي جهد معرفي أو تقديم رأي خاص بأصحابها، أو فكرة يريد صاحب الصفحة تقديمها؛ هي ليست سوى اقتباسات لروابط وصفحات وأدعية ومأثورات، وصور غير متقنة. ويحمل الكثير من الصور والتعليقات حالة من الاستغراق والإعجاب بالذات، لدرجة تمنع بالتأكيد من القدرة على التواصل والاستماع والتعلّم، وتضج بالأخطاء الإملائية ونقص المعرفة والعجز عن استيعاب ما يُقرأ.
اختفت 20 % من الحسابات من الصفحة بعد فترة من التعليق. ومعظم الحسابات التي اختفت كانت تعليقاتها شتائم بذيئة وعنفا لفظيا، وبعضها كان نقدا للخطاب الديني.
لكن هناك ملاحظات ملفتة وصادمة؛ إذ هناك حسابات بأسماء تبدو بوضوح مستعارة، أو تحمل أسماء تبدو حقيقية، وتشكل نسبتها 10 % تقريبا من الحسابات التي تصفحتها، ليست سوى مواقع إباحية، برغم أن التعليقات الصادرة عن أصحابها تبدي التزاما دينيا ودعوة. وثمة صفحات أخرى، في حدود 15 % من الحسابات، تبدو مناقضة أيضا للموقف الديني الملتزم الذي يعبر عنه أصحابها؛ إذ هي روابط لألعاب وإعلانات تجارية.
ويمكن أيضا ملاحظة التحريض والحشد في التعليقات. فبعض المعلقين يقول لصديقه باستغراب كمن فوجئ (يبدو أنه المحرِّض)، أنه دخل إلى صفحة كاتب لديه عدد كبير من الأصدقاء والمتابعين، وأن الصفحة مليئة بالتعليقات. ولا يمكن بالطبع تمرير أو استيعاب أن يدخل عدد كبير جدا من المعلقين إلى مقال أو صفحة مرة واحدة ثم يختفون. وفي الوقت نفسه، يبدو واضحا التناقض بين اهتماماتهم ومستواهم المعرفي، وبين موقفهم الظاهر في التعليق؛ لا يمكن فهم ذلك إلا بمظنة الحشد، ووجود كتائب من المرتزقة والبلطجية الإلكترونيين.
ويبقى أن الإنذار والدرس المهم الذي يجب التوقف عنده، هو مستوى الهشاشة والمناعة المجتمعية، وضرورة العمل الذي يستهدف هذه المسألة. وغني عن القول إنه عمل ليس أمنيا ولا سياسيا ولا مواعظ دينية بالاعتدال والتحذير من التطرف.

التعليق