علاء الدين أبو زينة

أكثر من مجرد زيت..!

تم نشره في الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:07 صباحاً

في نهاية قصة الشهيد غسان كنفاني "أرض البرتقال الحزين" (1958)، يقول الراوي عن بطل القصة الفلسطيني اللاجئ الذي جاع أطفاله، وضاعت بيارات برتقاله، وتبخّر حلمه الأخير بالعودة بعد هزيمة جيوش الإنقاذ: "كنتم مكومين هناك، بعيدين عن طفولتكم كما كنتم بعيدين عن أرض البرتقال...البرتقال الذي قال لنا فلاح كان يزرعه ثم خرج إنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء..كان أبوك ما يزال مريضاً ملقى في فراشه، وكانت أمك تمضغ دموع مأساة لم تغادر عينيها حتى اليوم...لقد دخلتُ الغرفة متسللاً كأنني المنبوذ.. وحينما لامسَت نظراتي وجهَ أبيك يرتجف بغضب ذبيح.. رأيت في الوقت ذاته المسدس الأسود على الطاولة الواطئة.. وإلى جواره برتقالة..وكانت البرتقالة جافة يابسة..".
بعد النكبة، لم تعد المحاصيل الفلسطينية مجرد منتجات تجارية وجزء من الاقتصاد، وإنما جعلتها النكبة جزءًا من الهوية والوجود. صرنا نتحدث عن يافا والبرتقال، والخليل والعنب، وأريحا والموز، وغزة والفراولة، والقدس والزيتون. وفي قصة غسان، عنى يباس البرتقالة جفاف الحياة نفسها والفقدان الكامل للأمل. وحتى بعيداً عن رمزية العلاقة بين الفلسطيني ومحاصيله، تآمر"قرار التقسيم"على الفلسطينيين، فخصّ المستعمرين اليهود بالأراضي الساحلية والسهلية الخصيبة، وتعمّد تجويع الفلسطينيين.
اليوم، بعد عقود من النكبة، تغير الرمز ولم تتغير الحكاية. بعد أن أصيب البرتقال الفلسطيني بالحزن الأبدي، أصبح الزيتون الفلسطيني هو الضحية الجديدة، بكل ارتباطه بالروح والحياة والهوية.
أولاً، تقوم دولة الكيان بفصل الفلسطينيين عن بساتين زيتونهم ومزروعاتهم بجدار الفصل الهائل. وحسب تقرير حديث نشرت "الغد" ترجمته الأسبوع الماضي، يمنع الاحتلال التواصل بين الفلسطينيين وزيتونهم المعتقل طوال العام، ويسمحون بالوصول إليه أسبوعاً واحداً فقط. ويعني ذلك لمَّ شمل قصير موجع بين الفلسطيني وزيتوناته، يضطر بعده إلى تركها عزلاء يتيمة تحت رحمة الجنود والمستوطنين، على أمل اللقاء في العام القادم.
ثانياً، يستهدف المستوطنون زيتونات الفلسطيني باعتبارها كائنات أثيرة ورث عهدتها عن أجداده، وبعضها عتيق بعمر قرون، فيقطعونها أو يحرقونها لمضاعفة شعوره بالقهر والعجز. ويصف المستوطنون استهداف الزيتون بأنه "شاخصة سعر" يدفعه الفلسطينيون لأنهم باقون ويقاومون.
وهناك استهداف الزيتون كرمز للسلام. ولا تكتفي مؤسسة الاحتلال بإعلان رفضها "غصن الزيتون" الفلسطيني كفكرة، وإنما تغتال أشجار الزيتون الفلسطينية مثلما تستهدف الفلسطينيين وأبناءهم، في عرض كامل للعدوانية المتطرفة، وبهدف حرمان الفلسطيني من سبل عيشه ورموزه معاً. وعلى الصعيد الحياتي العملي، تقول الإحصائيات أن إنتاج الزيتون يشكل 25 % من حجم الاقتصاد الفلسطيني في الضفة، ويوفر عملاً لنحو 150.000 شخص في الضفة والقطاع. ويُقدَّر أن أكثر من نصف الأسر الريفية الفلسطينية تكسب عيشها من الزيتون الذي يشكل 70 % من دخلها السنوي.
بالنسبة للفلسطينيين في الشتات، شكل موسم قطاف الزيتون في الماضي مناسبة نادرة لتجسيد تواصل العلاقة مع الوطن، فكان الأهل في الداخل يرسلون للأقارب في المنافي حصتهم السنوية من الزيت. وقد تسبب احتلال 1967 بتقطيع خيوط تلك العلاقة، وتدخلت عوامل أخرى لتحدد كميات الزيت الفلسطيني التي يمكن أن تصل إلى الفلسطينيين خارج الوطن. ولم يكن النفع المادي هو الذي تضرر بقدر ما أصيبت العلاقة الروحية بين المنفيّ وأرضه.
الآن، وبطريقة لا تشبهها علاقة بين الناس والأشجار، أصبح موسم قطاف الزيتون في فلسطين يعني خوض المعارك ضد اعتداءات المستوطنين، والاشتباك مع قوات الاحتلال التي تعمل حارس سِجن على الزيتون وتتحكم بزيارة أصحابه له. وبينما يتعاون الناس في الأماكن الأخرى على القطاف كمناسبة للاحتفال، يغامر الفلسطينيون بمشاركة مواطنيهم من أصحاب الزيتون قطافهم كمناسبة للمقاومة والتصدي للعنف والاحتلال. ولا يتصور الفلسطينيون في فلسطين التاريخية كيفيات للحياة بلا موسم قطف الزيتون الذي يشكل جزءًا تاريخياً من الحياة الفلسطينية والوجود الفلسطيني الروحي والمادي. ويعني شطب فصل الزيتون الفلسطيني قطع الاستمرارية الفلسطينية وكسر إيقاعها التاريخي.
بيَّن غسان كنفاني في مرحلة لاحقة كيف تخلص الفلسطينيون من أزمة جفاف البرتقال والعدمية التي سببتها الضربة القوية الأولى. ومع اختيار المقاومة كبديل عن الانتحار، كتب "أم سعد"، ووصف كيف برعم عود الدالية الناشف عندما انغرس في الأرض. وما يزال الزيتون الفلسطيني يقاوم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حنين واشتياق معبأ في زجاجه زيت واخرى دبس (شيرين شاهين)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    اذكر عندما كانت تصل جدتي في سياره الجسر حامله معها زيتا وزيتونا وكيس خيش من الخضار على وجهه اعطر رائحه اشتمها رائحه النعناع العبره ليست بالمحتوى العبره بالحنين واللوعه على رائحه الوطن التي لا قاموس في العالم يمكن ان يوصفه جدتي التي تصف الوديان والجبال والعيون ونسافر معها في خيال يدق القلب ويرفرف فرحا وكاننا عدنا الى الوطن والاجمل كيس من التراب حب ابدي ينبت فيه ورود العوده ولحن الامل
  • »الزيتون (د.فيصل مرار)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2015.
    لماذا يسمح للزيتون الأردني بان يباع للصهاينة ،أين لجان مقاومه التطبيع؟